الوجوب ، لكانت مقيّدة بأصول العقائد بالضرورة والاتّفاق ، إذ لم يذهب أحد إلى إطلاق وجوب تحصيل المعرفة الخاصّة في تفاصيل العقائد . وحينئذٍ فالإطلاق إمّا مقيّد بأصول العقائد إذا كان المراد به العلم ، وإمّا على إطلاقه إذا كان المراد به ما يشمل المعرفةالظنّيّة المعتبرة ، وحيث أنّ الآية مطلقة ، يتعيّن الثاني « 1 » .
وبهذا يتبيّن إمكان التعبّد بالظنّ في تفاصيل العقائد ، ولكن يبقى علينا إثبات وقوع ذلك .
وقد استدلّ عليه :
أوّلًا - بعدّة آيات :
أظهرها آية النفر « 2 » بتقريب أنّها بصدد بيان وجوب التفقّه في الدين ، ثمّ وجوب الإنذار بما استفاده من علوم الدين ، والدين - كمجموع أحكام - شامل للأحكام الفرعيّة والاعتقاديّة وأحكام الآداب والأخلاق والسنن ، فالتفقّه يتعلّق بها أجمع .
هامش
( 1 ) أقول : يمكن للخصم أن يختار الأوّل بقرينة أنّ الآية نسبت العبادة إلى اللَّه تعالى ( لِيَعْبُدُونِ ) بتقدير ياء المتكلّم ووضع الكسرة علامةً عليها ، وقد فسّرت العبادة في الروايات بالمعرفة ، فالمقصود هو معرفته تعالى لا معرفة سائر العقائد ، غاية الأمر أنّ أدلّة أخرى دلّت على أنّ معرفة اللَّه تعالى لا تتمّ إلّابشرطها وشروطها ، فلا بدّ معها من معرفة أصول العقائد الأخرى ، ولا دليل على إرادة معرفة جميع المعارف حتّى التفاصيل بحيث يجب التعرّف عليها لا يقيناً ولا ظنّاً أيضاً ، فالآية الكريمة لا تصلح للاستدلال بها على عموم وجوب الاعتقاد لتفاصيل العقائد لأنّها ليست في صددها ، ولا يصحّ الدليل السادس من الخصم ، كما لا يصحّ الاستدلال بها على حجّيّة الظنّ في العقائد .
( 2 ) وهي( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )التوبة 9 : 122 .