هو إمكان تحقّق الإيمان بدرجة الاحتمال ، وتَترتّب عليه النجاة كما هو مفاد الآيات المتقدّمة .
وإذ اتّضحت هذه الأمور الثلاثة ، يتّضح أنّ كلّاً من البيان أو المعرفة أو الإدراك مغاير للإذعان والإيمان ، وأنّ كلّاً منهما مغاير للفحص ؛ فللنفس أفعال ثلاثة :
فحص ، فإدراك ، فإذعان . كما اتّضح أيضاً إمكان تحقّق الاعتقاد الظنّيّ ، بل الإذعان الاحتماليّ والتسليم الرجائي ، ويترتّب على ذلك أنّ ما يقال من أنّ وجوب المعرفة يتعيّن كونه عقليّاً محضاً ، إن أريد به وجوب الفحص فهو تامّ لا غبار عليه ، إذ لا يمكن افتراض تشريعه قبل معرفة التشريع ، للزوم الدور ، وكذا الحال إذا أريد منه وجوب الإدراك والبيان « 1 » .
وأمّا إن أريد منه الإذعان والتسليم والإيمان ، فلا مانع من تصوير التشريع والتكليف به وإن كان المتعلّق هو أوّل أصول الدين وهو التوحيد ، بل التشريع نافع في ذلك كما عرفت ، ولذا ورد التعبير عن الإيمان بالتوحيد بأنّه ( أوّل الفرائض ) و ( أكبرها ) من دون لزوم الدور أو الخُلف ، لأنّ من فحص بإلزام من عقله وأدرك وجود الباري والخالق عزّ وجلّ ، وأدرك قدرته اللا محدودة ، وأدرك أنّ له إرادة ورغبة بأن يؤمن الإنسان ويذعن به تعالى ، فإنّه لا يلزم من ذلك دور ولا خلف ، بل يكون أدعى لتحريكه إلى الإيمان ، على ما تقدّم من أنّ الترغيب والترهيب علاج للقوى العمليّة في تحقيق متابعة مدركات القوى النظريّة ، ويشير إلى هذا التفكيك في معنى المعرفة ما ورد في الروايات ، كما عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال :
« ليس لله على خلقه أن يعرفوا قبل أن يعرفهم ، وللخلق على الله أن يعرفهم
،
هامش
( 1 ) أقول : لا موجب لذكر هذه المفردة ( البيان ) ، إذ لا يتوهّم أحد وجوب البيان على المكلّف ، بل البيان لطف للمكلّف .