العقل العمليّ ، والإيمان من سنخ الإذعان ، ولذا تصدق عليه ماهيّة التسليم والإخبات والانقياد القلبيّ ، وهو مغاير للمعرفة بمعنى الإدراك والإنكشاف المجرّد ، كما يشير له قوله تعالى (
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ )
« 1 » ، فإدراكهم المجرّد من دون التسليم والإذعان والإخبات لا ينطبق عليه الحدّ الماهويّ للإيمان ، بل يصدق عليه كفر الجحود كما صرّحت به الآية الشريفة .
نعم ، قد تُطلق المعرفة وتستعمل في ما يترادف مع الإيمان .
الثالث : بعد إذ تبيّن مغايرة الإدراك للإذعان ومغايرة المعرفة للإيمان ، لا بدّ من الالتفات إلى كون الإذعان والإيمان لهما درجات تشكيكيّة بتبع ما للإدراك من درجات تشكيكيّة .
وعلى هذا الأساس يتصوّر من النفس الإذعان والبناء والتسليم والانقياد لدرجة الإدراك الاحتماليّة ، كما قد تسلّم النفس وتذعن لدرجة الإدراك الظنّي وكذا لدرجة الإدراك اليقينيّ ، مثل موارد الإدراك لمحتملٍ ذي أهمّية خطيرة ، فإنّ النفس تراعي ذلك الاحتمال وتنقاد وتذعن بالمحتمل ، ولا تراعي الاحتمال القويّ المقابل .
كما إنّها قد تنقاد وتتابع الإدراك الظنّي ، فما قد يوهمه كثير من كلمات الحكماء أو المتكلّمين - حيث قالوا : إنّ الإذعان والجزم لا يكون إلّامع اليقين أو العلم - يقبل الحمل على العلم بالمعنى الأعمّ الشامل لمطلق التصوّر والإدراك في مقابل الجهل المركبّ ، لا خصوص التصديق والعلمالمركّب ، ويشير إليه قوله سبحانه :
(
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ )
« 2 » .
هامش
( 1 ) النمل 27 : 14 .
( 2 ) البقرة 2 : 46 .