عن ذلك ، كما يشير إليه قوله تعالى : (
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ )
« 1 » .
وقوله عزّ وجلّ : (
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ )
« 2 » .
ولذا قال الحكماء : إنّ البرهان وحده لا يكفي لتحقيق الإذعان بالنتيجة ، ولم يعدّوا الفيلسوف حكيماً حتّى يكون مرتاضاً وسالكاً طريق تهذيب النفس ، بل قال شيخ الإشراق - السهروردي - :
« إنّه لا يكون حكيماً إلّاإذا اقتدر على خلع النفس عن بدنه » .
فهم يلحظون في ذلك أنّ ( الإدراك التامّ المطابق للواقع ) كما هو تعريف الحكمة ، لا يتحقّق مع ممانعة النفس عن الوصول إلى الحقائق .
فالبرهان ليس علّة فاعلية تامّة للنتيجة ، بل هو علّة مُعدّة قريبة جدّاً لإفاضة النتيجة ، والعلمُ اليقينيّ إنّما هو من إفاضة العوالم العلويّة ، فلابدّ من عدم المانع من الإفاضة ، ورفعُ المانع إنّما يتمّ بتهذيب النفس وترويضها لكي تتقبّل الحقّ وتذعن به . ومن الواضح أنّ الترهيب والترغيب طريق إلى ذلك ، وهو متولّد ومسبّب عن الحكم والتكليف الشرعيّ .
الثاني : أنّه لا يخفى أنّ الإيمان ليس من سنخ الإدراك المجرّد كفعلٍ لقوّة إدراكيّة ، بل هو فعل علميّ من قوّة العقل العمليّ ، كما هو سنخ أفعال العقل العمليّ وهي أفعال ليست عمليّة بحتة ولا إدراكيّة بحتة ، بل فيها كلّ من الجنبتين ، كما تقدّم في الأمر الأوّل ، وأنّ الإذعان وإن ارتبط بإدراك القضايا إلّاأنّه من فعل
هامش
( 1 ) النمل 27 : 14 .
( 2 ) الروم 30 : 10 .