فالإدراك والتصوّر بقسميه فعل للقوى الإدراكيّة للنفس ، بينما الإذعان هو فعل للقوى العمليّة في النفس ، وحقيقة هذا الإذعان هو قيام النفس بدمج صورتي المحمول والموضوع في صورة واحدة ، فإذا دُمجتا معاً يكون ذلك إذعاناً ، نظير الصورة الحسّيّة التي تدركها النفس ، حيث أنّ هذه الصورة المحسوسة البديهية هي عبارة عن موضوع وعدّة محمولات أذعنت النفس بثبوتها للموضوع ، فتدركها في صورة واحدة مندمجة .
فالدمج فعل نفسانيّ عمليّ متعلّقه الإدراك ، ولذا يقال أيضاً : إنّ الإدراك فعل قوّة العقل النظريّ ، والدمج والإذعان فعل قوّة العقل العمليّ ، وكلّ من هذين الفعلين اختياريان للنفس ، وإن كان الإدراك من نمط الانفعال ، والإذعان من نمط الفعل والإيجاد ، إذ باختيار الفحص بين المعلومات والمجهولات تتهيّأ النفس لإدراك المقدّمات ومن ثمّ إدراك النتيجة ، ثمّ إذا شاءت تقرّ وتذعن بتلك النتيجة .
والنفس في الحالات السليمة من الأمراض الإدراكيّة ، والصفات العمليّة ، تقوم بهذين الفعلين باسترسال طبيعيّ موافق لفطرتها ، فلكلّ من القوّتين الإدراكيّة والعمليّةأدوات تقيها وتصونها عن تلك الأمراضالعائقة لهما عن ممارسة فعلهما .
ومن الأمراض الإدراكيّة حبّ الشيء أو بغضه ، ففي الخبر
« حبك للشيء يعمي ويصم
» « 1 » ، أي أنّه يمنع من الإدراك السليم .
ومن المقرّر في علم النفس أنّ الترغيب والترهيب ، من الأدوات المعالجة للقوى العمليّة وغالب الأمراض الإدراكيّة نابعة من الأمراض العمليّة . ومع ذلك ، فالإدراك السليم بمفرده إذا قامت به القوى الإدراكيّة لا يكفي لقيام النفس وقوى العقل العمليّ بالحكم والإذعان ، إذ قد تبتلى النفس بصفات وهيئات رديئة تعيقها
هامش
( 1 ) من لا يحضره الفقيه : 4 : 380 ، الحديث 5814 .