ومعنى ذلك أنّ عدم الطاعة لمن أمر اللَّه بطاعته شرك وكفر واستكبار ، وإلّا فإبليس لم يكفر باللَّه ولم يدع إلهاً غيره ، وإنّما عصاه في عدم الخضوع لمن أمر بالخضوع له ، فهو شرك طاعة وشرك تمرّدٍ على خليفة اللَّه ووليّه .
وهذه القصّة المباركة قد كرّرها القرآن الكريم سبع مرّات في السور المدنيّة « 1 » .
وقد ذمّ القرآن الكريم أهل الكتاب لإطاعتهم أحبارهم ورهبانهم في غير ما أذن اللَّه تعالى ، واعتبرهم كفّاراً يعبدون أحبارهم ورهبانهم ؛ وذلك لأنّ أحبارهم أمروهم بعبادة عيسى واتّخاذه إلهاً بدون حجّة فأطاعوهم ، وأمروهم بالاعتقادات الباطلة مثل أنّ عيسى عليه السلام ابن اللَّه أو أنّ عزير ابن اللَّه ، فاتّبعوهم بغير علم ، فذمّهم واعتبر ذلك عبادة لهم ؛ فقال تعالى : (
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ )
« 2 » ، مع أنّ أهل الكتاب لا يعتبرون علماءهم أرباباً بالمعنى المعروف للربوبيّة كما هو واضح ، فيكون المقصود مجرّد الطاعة في غير ما أذن اللَّه تعالى .
وعن الصادق عليه السلام - في ذيل تفسير الآية - أنّه قال :
« والله ما دعواهم إلى عبادة أنفسهم ، ولو دعواهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم ، ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا ، فعبدوهم من حيث لا يشعرون »
« 3 » .
وفي حديث آخر :
« ولكن أطاعوهم في معصية الله »
« 4 » .
ويمكن استخلاص ذلك من سياق قوله تعالى : (
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ )
« 5 » .
هامش
( 1 ) البقرة والأعراف والإسراء والكهف وطه والحجر وص .
( 2 ) التوبة 9 : 31 .
( 3 ) الكافي : 2 : 398 ، الحديث 7 .
( 4 ) وسائل الشيعة : 27 : 133 ، الحديث 33406 .
( 5 ) البقرة 2 : 34 .