والقبح التكوينيّان .
وثانياً : إنّ الاختلاف ممكن حتّى في البديهيّات لأنّ في النفس البشريّة صحّة وسقم في كلّ مراتبها ، سواء مرتبة القوى الإدراكيّة أو مرتبة القوى العمليّة ، فالشكّ وعدم الإحراز مهما قويت الأدلّة مرض في الإدراك ، والتشكيك والرفض وعدم الإذعان مرض في القوى العمليّة ، ولذا أجمع علماء المنطق على أنّ اللجاج والعناد إذا استمرّ في الإنسان كان مرضاً في عقله العمليّ ، وهو ما عبّر عنه القرآن الكريم ب ( الطبع ) على القلوب والصمّ والبكم - أي العقليين - والاختلاف الحاصل من ذلك لا يضرّ ببداهة البديهيّ أصلًا .
وثالثاً : إنّ بعض الاختلاف ناشئ من مراعاة المصالح المادّية لا من الاختلاف الحقيقيّ في النظريّة ولا في التطبيق ، كما هو الملحوظ في بعض الفلاسفة المادّيّين الذين يقصدون من وراء إشاعة الخلاف الوصول إلى مآربهم السياسيّة أو المادّيّة وليسوا مخالفين حقيقة ، فهم مخالفون منكرون لنظريّتنا باللسان وقلوبهم عالمة مذعنة بصحّة ما نقول ، لأنّ عقولهم أسيرة للهوى والقوى الدانية
« كم من عقل أسير تحت هوى أمير »
« 1 » .
ومثل هذا الاختلاف لا ينبغي أن يعدّ خلافاً لأنّ الخلاف إنّما يقع في ما بين العقلاء الذين يعملون بعقولهم ويستنيرون بها ، لا في ما بينالعقلاء وغيرهم (
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا )
« 2 » .
وأمّا الدليل الثالث : فلو سلّمنا به ، فغاية ما يدلّ عليه هو عدم كون الحسن
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 506 .
( 2 ) الفرقان 25 : 44 .