العقل ، علماً أنّه كمال لتلك القوى ، كما أنّ من كمال العقل العمليّ تلقّي مدركاته من العقل النظريّ وكذا كمال النظريّ في تلقّي العلوم من العوالم العليا وهكذا حتّى تصل النوبة إلى المشيئة الإلهيّة . وهذا هو تفسير ما ورد مستفيضاً :
« رضا الله رضانا أهل البيت »
« 1 » .
لأنّ قواهم عليهم السلام الدانية مؤتمرة بأوامر عقولهم ، وعقولهم مؤتمرة ومستنيرة بالحقائق العلويّة (
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ )
« 2 » .
« إن الله جعل قلوب الأئمة موردا لإرادته ، فإذا شاء شيئا شاؤه »
« 3 » .
فليس كلّ رضا وكلّ غضب حيوانيّاً ، بل وليس كلّ ما عدا الحيوانيّ عقلانيّاً فحسب بل هناك رضا وغضب إلهيّان ، أفليس الجهاد الخالص في سبيل اللَّه ناشئاً عن غضب ورضاً إلهيّين ، كما في ضربة عليّ عليه السلام لعمرو بن عبدودّ يوم الخندق ، حيث أنّه لم يقتله لغضب نفسه عندما بصق في وجهه الشريف بل صبر هنيئة حتّى ملك نفسه ثمّ قتله لمحض الأمر الإلهيّ ، فكان فعله لأجل الغضب الإلهيّ ، وبذلك كانت ضربة عليّ عليه السلام يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين ، ومن هذا القبيل ما روي في فاطمة عليها السلام من طرق العامّة والخاصّة : «
إن الله يغضب لغضبك ، ويرضى لرضاك »
« 4 » .
هامش
( 1 ) شرح الأخبار : 3 : 146 .
( 2 ) الأنبياء 21 : 26 و 27 .
( 3 ) كما في بعض الأحاديث الشريفة . بصائر الدرجات : 537 .
( 4 ) المستدرك على الصحيحين : 3 : 153 . المعجم الكبير : 1 : 108 . كنز العمال : 12 : 674 .
وفي تاريخ دمشق : 1 : 59 : « يا فاطمة ، إن اللَّه ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك » .
وفي الآحاد والمثاني 5 : 362 : « إن فاطمة بَضعة منّي ، يؤذيني ما آذاها ، ويغضبني ما أغضبها » .