والقبح أمراً بديهيّاً لا أنّه ليس حقيقيّاً ، لأنّ النظريّ أيضاً لا يقضي به العقل ابتداءاً ككيفيّة صدور أفعال الباري عنه تعالى ، مع أنّ الحق هو حكم العقل بذلك وليس حكمه متقوّماً بحالة الاجتماع البشريّ ، بل يقضي في نفسه بأنّ الصدق حسن أو الكذب قبيح وهكذا .
وأمّا الدليل الرابع : فجوابه أنّ قضاء العقل بالحسن والقبح ليس متقوّماً بالمجتمع البشريّ ، ولذلك إنّ الملائكة مع عدم وجود القوى الحيوانيّة فيهم ومع أنّ حياتهم ليست حياة اجتماعيّة مدنيّة وإنّما ارتباطهم تكوينيّ ، فإنّها تتأثّر وتتنفرّ من مظالم العباد ، والملك وجود عقلانيّ يتأثّر من الظلم ويستحسن الحسن فكذلك الإنسان يحكم بهما بعقله لا بسبب حالته الاجتماعيّة .
ولأجل ذلك عبّر سبحانه في كتابه المجيد عن إبليس (
مَذْؤُماً مَدْحُوراً )
« 1 » ، مع أنّه لا يفترض وجود مجتمع بين اللَّه تعالى وإبليس ، لكي يُذمّ إبليس من قبل ذلك المجتمع العقلائي ، أو أنّ معرفة إبليس لذلك الذمّ كان بواسطة اعتبار العقلاء ، كما لا يفترض للملائكة مجتمع عقلائيّ وإنّما هم عليهم السلام وجودات عقلانيّة ، وكلّ ما يصدر هناك فهو تكوينيّ لا غير ! ومن هذا القبيل قوله تعالى (
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ )
« 2 » ، فإنّ السكوت في مقابل النطق وهو أمر عقليّ ، ولم يعبّر بالسكون الذي هو مقابل الحركة لأنّها خاصّية الحيوان ممّا يدلّ على أنّ غضبه عليه السلام وعدمه كان عقليّاً إلهيّاً لا حيوانيّاً .
كما أنّ ذلك الإنسان - المفترض - لو رأى معونة إنسان كبير لطفل عاجز لَحَكم عقله بحسن ذلك ، كما أنّه لو رأى ضرب ذلك الكبير للطفل بلا سبب لحكم عقله
هامش
( 1 ) الأعراف 7 : 18 .
( 2 ) الأعراف 7 : 154 .