إلى ذلك - كسائر الموجودات التكوينيّة ، فإنّها تصلح لإيجادها بوجود آخر إعتباريّ ، ولكنّ الذي ننكره هو دعوى انحصار وجودهما بالاعتبار لقيام الدليل على وجودهما التكوينيّ ، فمثلًا المدح بقصد الإنشاء في قولك : سبحان اللَّه أو الحمد للَّه ، له وجود اعتباريّ بلحاظ هذا الإنشاء والاعتبار ، ولكنّه لا ينافي النزاهة الواقعيّة والكمال الإلهيّ الذي أوجب المدح الواقعيّ بإيجاد النعمة والتصرّف بالتدبير والحكمة .
وقد تبيّن أنّ وجود المخلوق الحَسَن مدح تكوينيّ لخالقه ، وآية من آيات كماله ومجده وعظمته ! ! فكيف يصحّ اطلاق القول بأنّ المدح والذمّ اعتباريّان لا تكوينيّان ! ؟ بل هما تكوينيّان ، وربّما يكون لهما وجود اعتباريّ أيضاً .
وأمّا الدليل الثاني - للقائلين بالاعتباريّة وهو أنّ الحسن والقبح لو كانا عقليّين لما وقع الاختلاف فيهما بحسب الزمان والمكان والمعتقدات والتقاليد - فجوابه :
أوّلًا : إنّ هذا الاختلاف لا ينافي تكوينيّة وعقليّة هذه المسألة ، فإنّ كثيراً من الخلافات تقع على القضايا الحقيقية التكوينية كما في اختلاف الأطبّاء في العديد من الأدوية ، وأنّها نافعة أو ضارّة ؟ أو أنّ نفعها أكثر من ضررها أو بالعكس ؟ مع أنّ الواقع واحد لا يتغيّر ولا يختلف ، وهو كون الدواء نافعاً أو ضاراً ولو بنسبةٍ مّا .
وكذلك إذا كان الاختلاف لأجل اختلاف الظروف ، فإنّ مرجعه في الحقيقة إلى اختلاف الموضوع ! وبالتالي عدم الاختلاف مثل أن يقول زيد ( الحائط أبيض ) وأنت تقول ( الباب أسود ) فإنّه ليس اختلافاً حقيقة .
ومن هذا القبيل الكثير من مسائل الحسن والقبح باختلاف الظروف ، فإنّ الكذب يكون حسناً في بعض الحالات ، بينما يكون قبيحاً في حالات أخرى ، وهذا لا يعني الاعتبارية ، بل اختلاف الظرف تكوينيّ ، وبتبعه يختلف الحسن
بحوث في قراءة النص الديني تقريرا لأبحاث الشيخ محمد السند — صفحة 192
مساهمون: السيد عماد الحكيم
ص١٩٢