بقبح ذلك ، ممّا يدلّ على ثبوت الحسن والقبح فطريّاً ، سواء كان الإنسان في مجتمع أم لم يكن .
فما ذكره ابن سينا يصادم الوجدان ! وقد قرّر الفارابي - في منطقيّاته - وجدانيّة الحسن والقبح بما لخصّناه في هذا الجواب .
وأمّا دليلهم الخامس - وهو ما ذكره المحقّق الإصفهاني رحمه الله - فيمكن مناقشته بأنّ هناك نوع انفعال عقليّ كالغضب عقليّاً ، بمعنى أن يكون المحرِّك للقوّة الدانية هو العقل من قبيل غضب موسى عليه السلام ، وكما قال الأمير عليه السلام في بعض الوقائع التي أحدثها معاوية في بعض أطراف البلاد الإسلاميّة فسلب ونهب وأرعب نساء المسلمين وأطفالهم .
« فلو أن امرء مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما »
« 1 » .
فإنّ هذا الغيظ والأسف - لذلك المسلم - ليس حيوانيّاً غريزيّاً بل عقلانيّ ممدوح . وتفسير عقلانيّته أنّ العقل إذا أدرك شيئاً حسناً أو قبيحاً ثمّ حرّك القوى الدانية كان تحريكه بأمارة عقليّة وسلطة تكوينيّة على تلك القوى ، فتكون الحركة حركة عقلانيّة ويكون الغضب والرضا ناشئين من تحريك العقل وبعثه .
وبعبارة أخرى : إنّ المعلول والمسبّب يسند إلى علّة العلل لوجود السببيّة الحقيقيّة وكون الواسطة أو الوسائط ليست إلّاممرّاً وطريقاً إلى إيجاد المسبّب ولذا نجد القرآن الكريم قد أسند الموت تارة إلى ملك الموت ، وأخرى إلى بعض الملائكة (
تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا )
« 2 » ، وثالثة إلى اللَّه تعالى .
ونشوء الغضب عن العقل وكذا سائر أفعال القوى الدانية يستوجب نسبتها إلى
هامش
( 1 ) الكافي : 5 : 4 .
( 2 ) الأنعام 6 : 61 .