ولكن وجود هذه اللفظة غير وجود ذلك الإنسان !
والخلط بين التفكيك في الوجود وبين التفكيك في الهويّة هو الذي أوقع الخصم بدعوى اعتباريّة المدح والذم ، إذ كيف يكون وجود المحكيّ تكوينيّاً ولا يكون وجود الحاكي تكوينيّاً أيضاً مع أنّ المعنى الذهنيّ لا يكون ارتباطه بالخارج وكشفه اعتباريّاً ، بل إنّ إراءة المعنى الذهنيّ لا يمكن أن تكون إلّاإراءة تكوينيّة ، كيف ومجال الاعتبار منحصر في المحكيّ دون الحكاية والحاكي « 1 » .
نعم ، لابدّ من الالتفات إلى أنّ الوجود التكوينيّ يمكن إيجاده بوجود آخر اعتباريّ زيادة على الأوّل ! بل لعلّ أغلب الموجودات التكوينيّة لها وجودات اعتباريّة أيضاً ؛ فهذا الكتاب له وجود تكوينيّ هو الذي بين يديك ، وله وجود اعتباريّ هو الوجود اللفظي بقولك ( الكتاب ) ، وله وجود ثالث هو الكتبيّ إذا كتبت هذه الكلمة . ولا ريب أنّ الوجود اللفظيّ والكتبيّ لهذا الموجود الخارجيّ هو وجود اعتباريّ له ، لا عين وجوده الخارجيّ .
وكذا كلّ ما حولك من أشياء ، لها وجود تكوينيّ ووجود اعتباريّ بأسمائها ، بل حتّى وجود اللَّه سبحانه لا ينافي الوجود الاعتباريّ الجعليّ للتعبير عنه سبحانه من خلال الألفاظ والكتابة والإشارة ، لأنّ البشر يحتاجون في التفاهم إلى إحضار المعاني إمّا بوجودها التكوينيّ أو الاعتباريّ ، ولكن الوجود الاعتباريّ لا يعني صيرورة التكوينيّ اعتباريّاً ، بل يعني إضافة وجود آخر له .
ولهذا فنحن لا ننكر إمكان وجود الحسن والقبح الاعتباريّ - إذا دعت الحاجة
هامش
( 1 ) لأنّ الحكاية دائماً بلحاظ أمر تكوينيّ ، وهو الاتّحاد في الهويّة والمفهوم ، والحاكي أيضاً له وجود تكوينيّ ، سواء كان بالوجود التكوينيّ للكمال أو النقص ، أم اللفظيّ ، أم غير ذلك بحسب الحاكي للكمال .