تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في قراءة النص الديني تقريرا لأبحاث الشيخ محمد السند — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
قوّة الفطنة ، وهي قوّة دون قوّة العقل العمليّ ، مؤتمرة بأوامرها ، ووظيفتها تطبيق الكلّيات على الجزئيّات الحقيقيّة ، وإدراك ومعرفة نفس هذه الجزئيّات . والدليل على وجودها : أنّ كلّاً من قوّتي العقل النظريّ والعمليّ يتمّ لهما إدراك الكلّيات والإذعان والحكم بها وإيجاد الشوق - في النفس - إليها ، وكلّ ذلك لا يكفي في تحقّق الكمال البشريّ ، ما لم توجد أداة تشخّص الجزئيّات في مختلف حالات الإنسان وأفعاله ، وعدم تشخيصه لها يوجب التخبّط في تطبيق الكلّيات على الجزئيّات ، لأنّ القوّتين النظريّة والعمليّة ليس من شأنهما تشخيص الجزئيّات ، فضلًا عن تطبيق الكلّيات عليها . كما أنّ القوى الدانية لدى النفس لا مجال للاعتماد عليها في سلامة التطبيق ! فيلزم وجود أداة للعقل يميّز من خلالها سلامة هذا التطبيق وصوابه عن خطأه وكذبه ، وصدقُ التطبيق وسلامته لا تتحقّق بنحو دائم إلّالمن خلقه اللَّه كاملًا معصوماً من الخطأ والزلل ، كما عبّر بذلك أرسطو . هذا بالإضافة إلى لزوم صدق الكلّيات التي اعتمدها ، ولذا كان المعصوم معصوماً علميّاً في إدراك الكلّيات ، وعمليّاً في تطبيق الجزئيّات . إذن فالتأثير على القوى الدانية بحكمة يحتاج إلى صدق الكلّيات وإلى حسن التطبيق على الجزئيّات . ولعلّه أشير إلى ذلك في قوله تعالى : (
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ )
« 1 » ، حيث أنّ ظاهره حقّانيّة مرحلتين : مرحلة الكلّيات من طرف الحقّ تعالى ومرحلة التنفيذ ؛ أو فقل : مرحلةالفاعل المنزِل ، ومرحلة القابل‌المنزَل إليه وهو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
هامش
( 1 ) الأسراء 17 : 105 .