المشهورات ، ومن جهة قيام البرهان عليهما تدخل في الواقعيّات البرهانيّة ومن جهة وضوحهما وبداهتهما لكلّ عقل سليم تدخل في البديهيّات .
ومن هذا القبيل قضيّة التوحيد ؛ فإنّها من جهة التسالم عليها تدخل في المقبولات ومن جهة قيام البرهان عليها تدخل في القضايا الواقعيّة البرهانيّة ، والنظر إلى القضيّة من جهةٍ مّا وإدخالها في صنف من الموادّ الثمان لا يعني عدم دخولها في مادّة أخرى ، وهذه اللفتة الجميلة من هذين الحكيمين الجليلين مهمّة جدّاً في تفسير الكثير من تداخل القضايا بتعدّد النظرة إليها !
هذا ويمكن أن يعزى عدول ابن سينا عن مذهب الفلاسفة قبله إلى عدّة أسباب :
الأوّل : تأثّره بمسلك الأشعريّ وتصويره لدعوى اعتباريّة الحسن والقبح ، وقوّة شبهة الأشعريّ من جهة أنّ هذه المسألة لو كانت بديهيّة لما أنكرها جماعة من المتكلّمين !
وهنا لابدّ لنا من وقفة عند هذه المغالطة وملاحظة تأريخها ، فهذه المغالطة ليست من ابتكارات الأشعريّ ، بل أوّل من قال بها السوفسطائيّون ، كما صرّح بذلك سقراط ، وقام سقراط بدفعها - كما في بعض كتبه المترجمة المطبوعة حديثاً - ومنشأ وجود السفسطة وانتشارها آنذاك شدّة الأوضاع الاقتصاديّة وطغيان الأثرياء وسعيهم وراء تحصيل مآربهم وأغراضهم المادّية الدنيئة ، فحاولوا تضييع القيم والأخلاق وحاربوا الدين ، وأشاعوا فكرة أنّ كلّ المآسي والمشاكل ناتجة من الدين ، فأسّسوا مدارس عديدة لدراسة الجدل والمغالطة ونشروا نظريّة ( أنّ الخُلُق مصلحة نسبيّة بحسب الأشخاص والظروف ) وأنّ ما يشاع من القيم والأخلاق هو من ابتداع رجال الدين ليتسلّطوا على الناس ، كما أنّ
بحوث في قراءة النص الديني تقريرا لأبحاث الشيخ محمد السند — صفحة 179
مساهمون: السيد عماد الحكيم
ص١٧٩