تكون من موادّ القياس « 1 » ، في حين أنّه - في قسم الطبيعيّات من نمط النفس « 2 » - اعترف أنّ قضايا العقل العمليّ يمكن البرهنة عليها ، وأنّ موادّها قد تكون مشهورات وقد تكون أوّليات - أي يقينيّات - وحينئذ فيمكن الاستدلال عليها ويكون لها واقع .
وذكر في « الشفاء » أنّها قابلة للبرهنة عليها « 3 » وأنّها تصير عقليّة حينئذ .
كما ذكر في أواخر « الشفاء » « 4 » : أنّ أكثر ما يقرّ به الجمهور فهو حقّ وإنّما يدفعه هؤلاء المتشبّهة بالفلاسفة جهلًا منهم بعلله وأسبابه . وهذا التعبير مناقض جدّاً لما ذكره أنّ قضايا الحسن والقبح مشهورات ، وأنّ المشهورات لا واقع لها سوى اعتبارها العقلائيّ !
وكيف كان ، فقد تأثّر المتأخّرون بمذهب ابن سينا وإيهامه أنّه مذهب الفلاسفة فذهبوا - أكثرهم - إلى اعتباريّة المشهورات ، وأنّها لا يمكن البرهنة عليها أصلًا ونسبوا ذلك إلى الفلاسفة .
نعم ، ذهب الحكيمان الكبيران اللاهيجي والسبزواري إلى أنّ الحسن والقبح تكوينيّان . فقد أنكرا توهّم اعتباريّة الحسن والقبح عند الفلاسفة ، ونسبا إليهم تكوينيّتهما وفسّرا تمثيل الفلاسفة للمشهورات بالحسن والقبح بأنّ القضيّة الواحدة قد تدخل في أكثر من واحد من أقسام الموادّ الثمان . فمسألة الحسن والقبح - من جهة تطابق العقلاء عليهما وشيوع الإذعان بهما - تدخل في
هامش
( 1 ) منطق الشفاء وغيره من كتب ابن سينا المنطقيّة .
( 2 ) الإشارات : 2 : 352 ، النمط الثالث .
( 3 ) الشفاء : مجلد الطبيعيّات ، كتاب النفس ص 30 .
( 4 ) الشفاء : 435 ، الفصل الأوّل من المقالة العاشرة .