حقيقة آراء الفلاسفة المتقدّمين ، والظاهر أنّه عدل عن رأيهم وكتب رأيه في هذه المسألة من دون تنبيه على آراء الفلاسفة ، مع أنّه في سائر المسائل كان ينبّه على آرائهم ويصرّح بعدوله - إذا عدل عن آرائهم - ، لانّه كتب هذا الرأي في ضمن كتبه التي كانت ترجمة لآرائهم لا في مؤلفات آرائه ونظريّاته ، فلو كان ما ذكره في كتاب حكمة المشرقيين ، لكان رأياً له ، ولكنّه جعله في ضمن أقوالهم ومبانيهم ممّا أوجب اللبس على من تأخّر عنه وأوهم أنّ رأي الفلاسفة ذلك .
وأمّا ابن سينا نفسه ، فلماذا تبنّى هذا الرأي المخالف للفلاسفة ؟ !
الظاهر أنّه تأثّر بمغالطة أبي الحسن الأشعريّ ومن تبعه ، ممّا جعلها مغالطة ناضجة ، لأنّ ابن سينا تأخّر عن الأشعريّ بحوالي قرنين ، وكان ابن سينا على اطّلاع تامّ بآراء المتكلّمين ، ويعتني بمباحثهم حتّى التي لم تذكر في الفلسفة .
فطرحه لنظريّة الأشعريّ كاملة مع تمام أدلّتها وشواهدها ، يقرّب تأثّره بها .
وكيف كان ، فإنّ تلبيس آراء الفلاسفة هنا وتضييعها كان بسببه ! !
أهمّية مسألة الحسن والقبح
حيث أنّ الكثير من أدلّة الإماميّة قد ابتنت على هذه المسألة ، فقد حظيت بدرجة عالية من الأهمّية ، وهذه المسألة وإن بحثت وحقّقت قديماً ولكنّها تثار اليوم بلغة جديدة وبلورة حديثة ، مفادها : أنّها اعتبارات عقلائيّة لا واقع لها وراء تطابق العقلاء ، لأنّ الموادّ المأخوذة في أحكام العقل العمليّ مستفادة من المشهورات - باصطلاح المناطقة - وبالتالي يكون الاستدلال بها جدليّاً لا برهانيّاً ، كما يتولّد على أساس ذلك إشكال آخر على استمراريّة الشريعة وخلودها - كما يردّده اليوم بعض العلمانيين المبطّنين - بتقريب :
أنّ التشريعات أساسها عقليّ بمقتضى قاعدة « الأحكام الشرعيّة ألطاف في