تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في قراءة النص الديني تقريرا لأبحاث الشيخ محمد السند — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥

تاريخ مسألة الحسن والقبح

على صعيد علم الكلام هناك مذهب ينفي عقليّة هذه المسألة ، هو مذهب الأشاعرة في ما تسالم متكلّمونا على أنّهما عقليّان بديهيّان ، وقد بنى متكلّمو الإماميّة الكثير من الأدلّة عليه . أمّا الفلاسفة ، فهم منذ عهد ابن سينا إلى العلّامة الطباطبائي يرَون أنّ قضايا الحسن والقبح من المشهورات ، وأنّها اعتبارات عقلائيّة ليس لها واقع وراء تطابق العقلاء ، بل إنّ المعروف نسبة هذا المذهب إلى كافّة الفلاسفة ، ولكنّ الصحيح أنّ هذه النسبة من ابن سينا فَمَن بعده ، لأنّ مَن سبقه كالفارابي وفلاسفة اليونان وفارس والعراق والهند « 1 » كلّهم قائلون بذاتية الحسن والقبح وعقليّتهما . ومنشأ الخطأ في نسبة هذا الرأي للفلاسفة مطلقاً هو أنّ ابن سينا طرح هذه النظريّة في ضمن عرضه لآراء المشّائين ، فإنّ غالب كتبه وضعها كترجمة لآراء اليونانيّين ، ولذلك كانت كتبه مرجعاً في معرفة آراء الفلاسفة المتقدّمين ، وكانت هذه الكتب محلّ اعتماد من بعده ، حتّى إنّ المتأخّرين عنه أخذوا ما نقله عنهم أخذ المسلّمات ولم يراجعوا كتب اليونانيّين حتّى الكتب المترجمة الموجودة بين أيديهم ككتب أرسطو وأفلاطون وغيرهما . وذلك لما امتاز به من جمع لمباني المشّائين وترتيبها وتبويبها - فقد بذل في ذلك جهداً كبيراً وهامّاً - بالإضافة لما عرف عنه من العمق والدقّة العلميّة والذكاء والعبقريّة ! ممّا جعله مرجعاً في معرفة آراء من سلفه ، وضاعت في ضمن ذلك
هامش
( 1 ) ذكر الشيخ الأستاذ ( حفظه اللَّه ) أنّ أسبق الفلسفات على التحقيق الفلسفة الهنديّة ، ثمّ الحرّانيّة في العراق ، ثمّ الفارسيّة ، ثمّ اليونانيّة ، وأنّ كلّاً منها استفادت من تحقيقات ما سبقها .