الحسن والقبح العقليّان تمهيد في التعلّق والتجرّد
ذكر الفلاسفة وغيرهم من علماء المعارف أنّ للنفس حالتين متناوبتين ( التعلّق والتجرّد ) أو ما يسمّى أحياناً ( الصعود والهبوط ) فكلّما كان توجّهها إلى المادّة والمادّيّات ، كانت أكثر تعلّقاً وهبوطاً ، وكلّما ابتعدت عن المادّة واتّجهت إلى ما وراء عالم المادّة كانت أكثر تجرّداً وصعوداً .
وتوضيح ذلك : أنّ النفس الإنسانية لها أفعال متنوّعة ، فهي تدرك إدراكات متفاوتة وتفعل أفعالًا مختلفة . ففي جانب الإدراكات مثلًا نجد أنّها تدرك القضايا الحسّيّة والخياليّة والوهميّة والعقليّة ، بل وتدرك المعاني القلبيّة أيضاً ، فالإدراك الحسّيّ هو أدنى المراتب لأنّه أكثر قرباً للمادّة وإن كان مجرّداً عن المادّة الغليظة ولكنّه يتعلّق بالجزئيّ الحقيقيّ ( المحسوس الخارجيّ ) ويقاربه ، وله نسبة معه .
والإدراك الخيالي هو ثاني أدنى المراتب لأنّه فوق الإدراك الحسّيّ ودون سائر الإدراكات ، لأنّه لا يتعلّق بالجزئيّ الحقيقيّ ولكنّه يشتمل على المقدار ( الطول والعرض والعمق ) .
والإدراك الوهميّ فوقهما لأنّه لا يشتمل على المقدار ، ولكنّه يرتبط بالجزئيّ فهو معنى غير محدّد بالأبعاد الثلاثة ، ولكنّه مضاف إلى الجزئيّات .
وهكذا نعرف أنّ الإدراك الخياليّ خالٍ من الإضافة إلى الجزئيّات ، ولكنّه ذو مقدار ، والإدراك الوهميّ بالعكس ، غير أنّ ارتباط المحدود بالمقدار بالمادّة أكثر من ارتباط المضاف إلى الجزئيّ بالمادّة ، ولذا كان الوهميّ أرقى من الخياليّ .