والإدراك العقليّ يكون مجرّداً عن المادّة في كلّ أصنافها ، حتّى عن المقدار والإضافة .
والإدراك القلبيّ يكون مجرّداً أيضاً عن المادّة ، بل يكون فوق الإدراك العقليّ ، فإذا صقل الإنسان نفسه بمرتبة عالية فإنّه يتوجّه بقلبه إلى ما فوق عالم العقل ليدرك بالشهود والرؤية القلبيّة ، وهذا الإدراك القلبيّ نفسه ذو مراتب ثلاثة متفاوتة بحسب آثارها ، ممّا يدلّ على تعدّد درجاتها الوجودية « 1 » ، وبهذا تكون الدرجات الإدراكيّة سبعة ، وهي في الحقيقة درجات وجوديّة في الإنسان .
والإنسان في أغلب حالاته يتعاطى بالإدراكات الحسّيّة ، غايته أنّه يدبّرها بالمعاني الوهميّة ، أي بالإدراك الوهميّ « 2 » .
فإذا توجّه الإنسان إلى المدركات الخياليّة ، كان في درجة أرقى من الحسّ وإذا بحث في المدركات الوهميّة ، صعد إلى مرتبة أرقى ، وهكذا ، وإذا انخفض إلى المدركات الحسّية أو نزل عن مرتبته التي هو فيها ، كان في درجة أدنى ممّا كان عليه ، ولذا قالوا : إنّ للإنسان تجرّداً وتعلّقاً ، وكلّما ازداد صقالةً وابتعاداً عن المادّة كان أكثر تجرّداً وصعوداً ، وكلّما ارتبط بالمادّة أو مارس المادّيّات ، كان أكثر تعلّقاً وهبوطاً .
وإنّما ذكرنا هذه الخصوصيّة لأنّها تنفع في معرفة درجات النفس ، وبالتالي معرفة جانب من جوانب أكمل المراتب الإنسانيّة وهي مرتبة المعصوم عليه السلام ، كما أنّ هذه المراتب تنفع في بحث النبوّة والمعاد أيضاً ، فلاحظ .
هامش
( 1 ) وسيأتي مزيد توضيح لهذه المراتب وشئ من الاستدلال عليها ، وإن شئت المزيد فراجعالكتب المخصّصة لذلك .
( 2 ) وليس المراد به الاصطلاح الآخر للوهم الذي يقابل الظنّ .