ويتّضح من خلال هذه الآيات وجود التفاوت في بني البشر ، وأنّ بعضهم يتأهّل للعهد الإلهيّ وبعضهم لا يتأهّل ، وأنّ العارف بهذا التفاوت هو اللَّه عزّ وجلّ أو من يعلِّمُه اللَّه لا غير ، لأنّه الخالق للبشر ، والخالق أعرف بما خلق (
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )
« 1 » .
كما أنّ دعوى هؤلاء استحقاقهم وقابليّتهم لتعيين السفير الإلهيّ ، هي شرك باللَّه تعالى « 2 » باعتبار أنفسهم نِدّاً له في الإحاطة والعلم والمشيئة ، مع أنّه (
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
« 3 » في أيّ وصفٍ من صفاته ، ولذلك كان نصب الواسطة بينه تعالى وبين خلقه من خواصّ أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد ، فإذا نصبوا شخصاً من عند أنفسهم كان شِركاً به وتعدّياً على حقّه عزّ وجلّ . وسيأتي مزيد توضيح لهذه الحقيقة في مقدّمة لاحقة إن شاء اللَّه تعالى .
ونظير هذا المنطق ما قصّه تعالى في الآية (
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ )
« 4 » حيث طالبوا بإنزال ملك واسطة بينهم وبين السماء ، واستبعدوا تأهّل الرسول لذلك ، قياساً له على أنفسهم وحصراً للقابلية والأهلية بالملائكة .
فأجابهم تعالى : (
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ )
« 5 » بمعنى أنّ صاحب الحقيقة المَلَكية وإن كان قابلًا للاتّصال بالغيب وللوساطة بين اللَّه تعالى وخلقه ، ولكنّه لابدّ أن يكون في الصورة من جنسهم كي يتمّ الارتباط
هامش
( 1 ) الملك 67 : 14 .
( 2 ) بناء على ما حقّق في محلّه - من علم الكلام والتفسير - أنّ للشرك مراتب من أشدّها ما يخرجعن الإسلام كشرك الوثنيّة ، ومنها ما لا يخرج عن الإسلام كالرياء .
( 3 ) الشورى 42 : 11 .
( 4 ) الأنعام 6 : 8 .
( 5 ) الأنعام 6 : 9 .