المُدرِكة والقوى العمليّة ، ومفاد ذلك تعدّد القوّتين النظريّة والعمليّة .
وقد ذهب إلى القول الثاني الفارابي وقدماء الفلاسفة ومنهم اليونانيّون ، بل ذهب إليه ابن سينا أيضاً في بعض كتبه ، ولكنّه قال بالقول الأوّل في أكثر أبحاثه .
والحقّ هو الثاني .
والدليل الأوّل على التعدّد : من كمالات الإنسان أن يكون عقله مسيطراً وحاكماً على ما دونه من القوى ، وإذا كان كذلك فلابدّ أن يكون فاعلًا فيها ، سواء كانت القوى الدانية إدراكيّة كالخياليّة والوهميّة ، أو عمليّة كالشهويّة والغضبيّة .
فإذا كان من كمال القوى الدانية سيطرة العقل عليها ، فلابدّ من فرض عملٍ للعقل ، لأنّ السلطنة والسيطرة ليست إدراكاً محضاً بل إدراك وعمل وتحكيم لهذا الإدراك ، وإلّا لكانت القوى الدانية منفلتة عنه عاملة بما تقتضيه فطرتها ، لأنّها ليست عاقلة كي تعمل بما يدركه العقل ، فتعمل الشهويّة بالشهوات ، والغضبيّة بالغضب ، والوهميّة بالوهم ، وهكذا ، ويحصل الهرج والمرج في جهاز هذا الإنسان ! فلا بدّ من فرض قوّة عاقلة عَمّالة تفرض سيطرتها وطاعتها على القوى الأخرى . نعم ، سيطرة العقل على القوى الدانية ليس دائمياً في جميع الناس ، فربّما تطغى قوّة دانية أو أكثر على النفس البشريّة وتسيطر أحياناً أو دائماً على سلوك الإنسان كما ورد :
« كم من عقل أسير عند هوى أمير »
« 1 » .
ولكن لا بدّ من فرض قوّة عَمّالة تصلح للإمارة والسيطرة في الإنسان السويّ والنفوس الدارجة إلى الكمال ، ولو كانت محكومةً لقوّة أو أكثر من القوى الدانية في النفوس المتسافلة ، ولكن هذه القوّة موجودة على كلّ حال ! وكلّما ازداد الإنسان كمالًا ازداد العقل سيطرة وعملًا في ما دونه ، حتّى تكون جميع أفعال
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 506 .