قيام من هو غائب في هويته وليس غائباً في وجوده ، وحضوره ، وتدبيره ، وتصدّيه للأمور ، إذ أنَّ قيامه بهذا الدور لا يستلزم شعور البشر بهويته إذ أنَّهم كانوا يرونه ولا يعرفونه ، يدبّر لهم ، يتعاطى معهم ، يؤثّر في مصير البشرية ، يحفظها من المنزلقات من دون أن تشعر البشرية به ، ومن دون أن تنسب البشرية هذا الإنجاز الإصلاحي لوليّ الله ولخليفة الله ، ربَّما نعرفه بأسماء أخرى ولا نعرفه باسم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل مثلًا ، المهمّ أنَّه أخذ يد البشرية عن الوقوع في مجاعات ، أو الوقوع في الموت ، أو الوقوع في قطع النسل البشري والأزمات الكثيرة ، وربَّما يتفشّى نتيجة لذلك الفساد والقتل وعواصف ومفاسد تفتّ بالنظام الاجتماعي والسياسي والأسري وكثير من تداعياته ، لكن بعد أن قام بهذا الدور المصيري في تلك الحلقات المركزية في النظام الاجتماعي السياسي ، وكما في النبيّ موسى الذي قام بأدوار كثيرة من ربط الأمل والجأش على قلوب بني إسرائيل دون أن يشعروا به أنَّه موسى قبل ظهوره ، وكان على صلة بأخيه هارون ، بل ولم يشعروا حتَّى بنبوّة هارون .
فالسؤال القائل : أيّ معنى للإمام عندما يكون غائباً نابع عن فهم مغلوط للغيبة والغياب على أنَّه بمعنى مقابلٍ للحضور وليس عدم حضور ، الغيبة عدم ظهور مع كون الحضور فعلياً ، يقوم بكلّ حيوية بالمسؤولية الإلهية الخطيرة في منعطفات المسير البشرية ، ينقذها وينتشلها من السقوط إلى الهاوية ، وهذا إذن مقطع ثمين جدَّاً في ظاهرة النبيّ يوسف عليه السلام ، وهو أنَّه غاب وخفيت هويته ولم يخفَ وجوده ، ولم تعدم البشرية حضوره وخيره وتدبيره وما شابه ذلك ، وهذه نكتة مهمّة جدَّاً بالغة العبرة يسطّرها لنا القرآن الكريم .
الإمام المهدى (ع) والظواهر القرآنية — صفحة 81
مساهمون: الشيخ محمد السند
ص٨١