عن إدراك البشر ، أو الاختفاء عن انتباه البشر للحجّة ، في حين أنَّه حاضر ، ومن ثَمَّ مرَّ بنا مراراً في منطق القرآن الكريم في الأنبياء السابقين ، وكذلك في الإمام المهدي عليه السلام ، وبضرورة أحاديث المسلمين أيضاً ، أنَّ الغيبة مقابل الظهور ، والظهور يقابله الخفاء ، وليست الغيبة مقابل حضور أو ابتعاد أو مزايلة كما في الهجرة .
وفي الغيبة امتياز إيجابي تتميَّز به على الهجرة ، وهو عدم الابتعاد البدني ، وليس الابتعاد الحضوري ، ولا الابتعاد عن كبد مركز الحدث ، بينما في الصورة الظاهرة في الهجرة يبدو هناك ابتعاد عن الساحة الساخنة الملتهبة الملتحمة في الحدث إلى أن تكون هناك مناورة للانقضاض مرَّةً أخرى ، وهذا جانب مهمّ في الفرق بين الغيبة والهجرة .
وهناك فارق آخر أيضاً بين الغيبة والهجرة في الأنبياء ، هو أنَّ في ظلّ الغيبة يتمّ مباشرة وعلاج مواضع ومفاصل الداء والمرض ، والانحراف في نظام المجتمع بشكل مباشر وبشكل عمقي وبشكل من الداخل ، بخلاف الهجرة ، فالهجرة تتمّ فيها معالجة المرض في بدن وجسم النظام الاجتماعي من الخارج ، ومن الواضح أنَّ المعالجة من الداخل لا ريب أنَّها تكون أكثر تثبيتاً وأكثر تأثيراً عن المعالجة من الخارج ، فالمعالجة من أعماق الداخل في الواقع معالجة تكون أساسية وبنيوية وجذرية وفيها دوام وثبات ، بخلاف المعالجة عندما تكون من الخارج والتي قد تكون معالجة مسكّنة لبعض الوقت ، ولكن ما أن يذهب ذلك المسكّن ، فقد يحدث انقلاب أو ارتداد ، كما حذَّر منه القرآن الكريم في قوله تعالى :
( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ