الأسباب الأكثر والأشدّ قوّة ونفوذاً أخّرت للإمام المهدي عليه السلام ، والنمط النازل المتوسّط من الأسباب ، طبعاً هي فوق قدرة البشر ، لكن من الأسباب اللدنّية أعطيت لذي القرنين ، فأوّل مجتمع واجهه ذو القرنين وانخرط فيه :
( وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً )
( الكهف : 86 ) ، هذا الحوار والخطاب الإلهي مع ذي القرنين ليس مفاده وحي شريعة ولا وحي رسالة ، ولكنَّه وحي من علم لدنّي للتدبير في الأرض ، كما مرَّ في الخضر ، إذن فهذا العلم اللدنّي الذي أعطاه الله للخضر ، كذلك إعطاء الإيتاء اللدنّي لذي القرنين يؤهّل أن يكون هناك ارتباط بين الخضر وذي القرنين بوحي علم لدنّي ، وليست هذه القناة نبويّة ولا قناة رسالة ، وإنَّما ارتباط إمامة ووحي لدنّي .
هذه الظاهرة صريحة في القرآن الكريم ، أنَّ هناك أولياء لله أصفياء مصطفون نصَّبهم الله حججاً وأئمّة للخلق مزوَّدون بالعلم اللدنّي ، أو بإيتاء الأسباب ، يوحي إليهم ليس وحي شريعة ولا وحي رسالة ولا وحي نبوّة ، وإنَّما يوحي إليهم العلم اللدنّي ، يطلعون عبره على إرادات الله وأوامره الخاصّة التفصيلية في تدبير الأرض وفي تطبيق شرائع الأنبياء التي هي شرائع إلهية ، ومحطّة عقائدية متكرّرة في السور القرآنية ، لا نجد لها تفسيراً عند المدارس الإسلاميّة غير مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، ففي منهاج العقائد لمدرستهم عليهم السلام أنَّ هذه الظاهرة القرآنية وأمثالها هي موقعية ومنصب ومقام الإمام ، بخلاف المدارس الأخرى التي حصر فيها الارتباط بالغيب بقناة النبوّة والرسالة فقط ، وليس هناك مقام ومنصب إلهي آخر عندهم ، فلا يستطيعون أن يفسّروا ظاهرة ذي القرنين ولا ظاهرة الخضر ولا ظاهرة مريم ولا ظاهرة طالوت ولا ظواهر عديدة في القرآن الكريم كصاحب سليمان الذي عنده علم من الكتاب مثلًا .