لكن لا يخفى أنّه لا يباح بهذا النّحو من التّقية الإضرار بالغير ، لعدم شمول أدلّة الإكراه لهذا ، لما عرفت من عدم تحقّقه مع عدم لحوق ضرر بالمُكرَه ولا بمن يتعلّق به ، وعدم جريان أدلّة نفي الحرج ، إذ لاحرج على المأمور ، لأنّ المفروض تساوي من امر بالإضرار به ومن يتضرّر بترك هذا الأمر ، من حيث النّسبة إلى المأمور ، مثلًا لو امر الشّخص بنهب مال مؤمن ، ولا يترتّب على مخالفة المأمور به إلّا نهب مال مؤمن آخر ، فلا حرج حينئذٍ في تحريم نهب مال الأوّل ، بل تسويغه لدفع النّهب عن الثّاني قبيح ، بملاحظة ما علم من الرّواية المتقدّمة من الغرض في التّقية ، خصوصاً مع كون المال المنهوب للأوّل أعظم بمراتب ، فإنّه يشبه بمن فرّ من المطر إلى الميزاب ، بل اللّازم في هذا المقام عدم جواز الإضرار بمؤمن ولو لدفع الضرر الأعظم عن غيره .
شرح
ولا يخفى ما فيه ، فإنّه لا دليل على تقييد إطلاقات المحرّمات لمجرّد دفع الضرر المالي - مثلًا - عن بعض المؤمنين ، وكيف يمكن الالتزام بجواز شرب الخمر في مجلس الجائر أو غيره أو اللواط معه وغير ذلك من الموبقات لدفع الضرر الماليّ ، بل العرضي عن زيد ؟
وأمّا التبرّي فهو - نظير الكذب والافتراء والحلف كاذباً لدفع الضرر عن المؤمن - جائز ، وجوازه لا يلازم جواز ارتكاب سائر المحرّمات ، فلا دلالة في مثل خبر « الاحتجاج » على ذلك ، حيث إنّ المذكور فيه وهو التبرّي صورة مع التولّي قلباً ليس من أعظم المحرّمات حتى يؤخذ بالفحوى .
نعم ، لو كان الضرر المخوّف على بعض المؤمنين ، مثل تلف النفس ، كان جواز ارتكاب سائر المحرّمات باعتبار وقوع التزاحم بينها وبين وجوب إحياء النفس المحترمة ، فيجوز في ذلك الإضرار ببعض المؤمنين مالًا للتحفّظ على نفس الآخرين ، ويكون ذلك مع الضمان كما مر آنفاً .