أمّا الكلام في المقام الثّاني : وهو مسوِّغات الكذب ، فاعلم أنّه يسوغ الكذب لوجهين :
أحدهما : الضّرورة إليه [ 1 ] :
شرح
وفي صحيحة هشام بن سالم ، قال : « قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام : ما حقّ اللَّه على خلقه ؟
قال : أن يقولوا ما يعلمون ويكفّوا عما لا يعلمون ، فإذا فعلوا ذلك أدّوا إلى اللَّه حقه » « 1 » ، وظاهرها أيضاً لزوم كفّ الإنسان عما ليس له به علم ، بل لو لم تكن في البين مثل الروايتين لكان مقتضى استصحاب عدم حدوث الشيء عدم جواز الإخبار بحدوثه .
لو قيل : على ذلك فيجوز مع الشكّ في الحدوث الإخبار بعدم حدوثه أخذاً بالاستصحاب المزبور .
قلنا : نعم ، ولذا ذكروا في بحث تعارض البيّنة على طهارة شيء مع إخبار ذي اليد بنجاسته ، تقديم البيّنة على إخباره ، إلّاإذا كانت البيّنة مستندة إلى الأصل .
ثمّ إنّ باستصحاب عدم حدوثه ينحلّ العلم الإجمالي بحرمة الإخبار إمّا عن ثبوته أو عن عدمه ؛ لما تقرّر في محله من أنّ جريان الأصلين المثبت والنافي في طرفي العلم يوجب انحلاله ، فلا يكون بالإخبار عن النفي بأس .
[ 1 ] لا ينبغي الريب في كون الكذب كسائر المحرّمات في ارتفاع حرمته بالإكراه والاضطرار ، كما هو مقتضى حديث رفع الإكراه والاضطرار « 2 » ، وقوله عليه السلام : « ما من شيء إلّا وقد أحله اللَّه لمن اضطر إليه » « 3 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : 24 ، الحديث 10 .
( 2 ) وسائل الشيعة 15 : 369 - 370 ، الباب 56 من أبواب جهاد النفس ، الحديث 1 و 3 .
( 3 ) انظر وسائل الشيعة 5 : 482 - 483 ، الباب الأول من أبواب القيام ، الحديث 6 و 7 .