شرح
شروط العقد أنه لابد في صدق العقد من التزام كل من الطرفين بمضمون واحد للآخر على نفسه ، لابتنائه على نحو من الكلفة عليه . فلو كان الالتزام من جانب واحد على نفسه لم يكن عقداً ، بل إيقاعاً ، كما في المسابقة والجعالة ونحوهما مما كان من سنخ الوعد .
وحينئذ لا يجب الوفاء به بملاك الوفاء بالعقد ، بل له العدول عنه قبل الشروع في العمل قطعاً . غاية الأمر أن بناء العقلاء على لزوم الوفاء بالوعد إذا ابتنى على حمل الموعود على بذل جهد وإنجاز عمل من أجل تحصيل الأمر الموعود به ، فلا يجوز الامتناع عن دفع الجعل بعد إنجاز العمل بالقصد المذكور . لكنه ليس بملاك الوفاء بالعقد ، بل بملاك آخر .
بل إذا كان العمل الذي يترتب عليه الجعل مركباً - كبناء الدار وخياطة
الثوب - يتعين عرفاً تقسيط الجعل على بعض العمل .
نعم إذا ابتنى الشروع في العمل على إكماله ، رجع ذلك إلى الالتزام من الطرفين عند الشروع في العمل بالمعاوضة بين تمام العمل والأجرة ، بمعنى التزام العامل لباذل الأجر بتمام العمل في مقابل الأجرة ، والتزام الباذل بتمام الأجرة في مقابل تمام العمل . وحينئذ لا يجوز الرجوع لكل منهما ، لأن ذلك نحو من العقد والصلح بين الطرفين يجب الوفاء به .
كما قد يكون ذلك بإشغال المسافر المقعد في السيارة أو تحركها به نحو مقصد متفق عليه بين الطرفين ، على اختلاف الأعراف . فإنه لا يجوز لكل منهما الرجوع وإن لم يقع بينهما العقد قبل الركوب في السيارة .
كما أنه لا يبعد عدم جواز الرجوع في المسابقة للباذل بمجرد الشروع في التسابق ، لأن موضوع الوعد وإن كان هو السبق الذي هو نتيجة التسابق ، إلا أن المراد به هو التسابق المفضي للسبق . فالشروع في التسابق شروع في العمل عرفاً ، لا في مقدمته ، وهو ملحوظ بنحو المجموعية ، لا بنحو الانحلال .