شرح
قلت : ليس المراد بالاضطرار الاضطرار المطلق ، بل الاضطرار الإضافي ، الراجع إلى توقف الأمر المرغوب فيه على الشيء ، إذ الظاهر أن تسويغ الكذب لحفظ المال أو النفس أو إصلاح ذات البين ، إنما هو من أجل توقف المسوغات المذكورة ، المرغوب فيها شرعاً أو عرفاً ، عليه ، فهو مضطر إليه من أجل الوصول إليها ، وإن لم يكن مضطراً إليه في نفسه ، لعدم الاضطرار إليها .
ودعوى : أن عدم التنبيه في النصوص المذكورة للتورية مع كونها مغفولًا عنها موجب لظهورها بمقتضى إطلاقها المقامي في عدم وجوب اختيارها .
مدفوعة بأن وجوبها مع القدرة عليها ليس مغفولًا عنه بلحاظ قرينة الاضطرار المذكورة ، بل هو مقتضى المرتكزات ، فلا يكون عدم التنبيه عليه في النصوص موجباً لظهورها في عدمه بمقتضى الإطلاق اللفظي ولا المقامي .
نعم القدرة المعتبرة في وجوبها ارتكازاً هي القدرة الفعلية حين الحاجة للإخبار الكاذب ، وهي موقوفة على التفات الشخص للتورية وسيطرته عليها ، إذ مع غفلته عنها أو عدم سيطرته عليها يكون مضطراً للكذب حقيقة ، فيسوغ له . وعدم التنبيه للتورية حينئذٍ في النصوص يكون سبباً لبقاء العجز عنها ، وتحقق الاضطرار للكذب . الذي هو موضوع لتسويغه ، ولا موجب لرفع الموضوع المذكور . ولا سيما إذا كان موجباً لارتفاع ملاك حرمة الكذب ، حيث لا يلزم من عدم التنبيه فوت ملاك الحرمة .
هذا ولكن الإنصاف أن انصراف الإطلاق لصورة الاضطرار للكذب والعجز عن التورية إنما يتجه في نصوص الحلف لدفع الضرر أو المال ، لما سبق من ذكر الخوف والتقية فيها . وهي إنما تقتضي توقف جواز الحلف على ذلك ، لا توقف جواز الكذب عليه ، لعدم تعرضها للكذب ، وإنما استفيد منها تبعاً بالأولوية ، كما سبق .
أما نصوص الكذب للإصلاح فلا مجال لذلك فيها ، لعدم القرينة فيها عليه ، بل نفي الكذب عن الصلح في مثل صحيح معاوية قد يناسب خروجه موضوع