شرح
وثانياً : لأن موضوع النهي في النصوص المتقدمة وغيرها هو الرشوة في الحكم ، ولم نعثر - بعد ما تيسر لنا من الفحص - على إطلاق ينهض بإثبات عموم النهي عن الرشوة . عدا ما ذكره في البحار عن كتاب الإمامة والتبصرة بسنده المطابق لسند الجعفريات عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) عن آبائه ( عليهم السلام ) : " قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) : الراشي والمرتشي والماشي بينهما ملعون " « 1 » . وروي مثله أو قريب منه مرسلًا في جملة من كتبنا وكتب العامة ، ومسنداً من طرقهم . والسند المذكور وإن كان الظاهر اعتباره ، إلا أن توثيق كتاب الإمامة والتبصرة عند المجلسي لا يخلو عن إشكال ، كما يظهر بملاحظة ما ذكره عند الكلام في توثيق مصادر كتاب البحار من مقدمته .
على أن من القريب عدم صدوره لبيان إطلاق حرمة الرشوة ، بل لبيان عدم اختصاص الحرمة بالمرتشي الآكل للرشوة ، بل تعم الراشي ، والماشي بينهما ، بعد الفراغ عن حرمة الرشوة ، فلا ينافي اختصاصها بالرشوة في الحكم . ولا سيما مع التصريح بالقيد المذكور في بعض طرق الحديث عند العامة ، ففي كتاب التاج : " عن أبي هريرة : لعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) الراشي والمرتشي في الحكم " « 2 » .
مضافاً إلى أنه لو فرض ورود الإطلاق المذكور فظهور عدم إرادته بهذه السعة يمنع من انعقاد ظهوره في العموم ، ويجعله بحكم المجمل الذي يلزم الاقتصار فيه على المتيقن ، وهو في المقام الرشوة في الحكم .
وأما في الصورة الثانية ، وهي رشوة الموظف فيما يتعلق بوظيفته فمن القريب صدق الرشوة عليها ، لقرب تقوم الرشوة عرفاً بذلك ، كما يناسبه استعمالها في موارد القضاء ، وما في خبر الأصبغ عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " قال : أيما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة وعن حوائجه ، وإن أخذ هدية كان غلولًا ، وإن أخذ الرشوة فهو مشرك " « 3 » ، ومعتبر حكيم بن حكم الصيرفي : " سمعت أب
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ج : 104 ص : 274 .
( 2 ) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ج : 3 ص : 56 .
( 3 ) وسائل الشيعة ج : 12 باب : 5 من أبواب ما يكتسب به حديث : 10 .