البحث عن الجمع بين الأصول التنزيليّة والأحكام الواقعيّة
أقول : يدور البحث في المقام عن الأصول المجوّزة والتنزيليّة كقاعدتي التجاوز والفراغ والاستصحاب ، وعن كيفيّة جمع الأحكام الظاهريّة المجعولة فيها مع الحكم الواقعي ، إذا خالفت الأصول المذكورة الحكم الواقعي ؟
نَسب المحقّق النائيني قدس سره إلى الشيخ الأنصاري قدس سره أنّه قائلٌ فيها بما في الأمارات والطرق من الهوهويّة ، ثمّ أورد عليه أنّه على ذلك يتوجّه الإشكال إلى الشيخ قدس سره أنّه كيف صارت مثبتات الأمارات حجّة دون الأصول ، مع اتّحاد المجعول فيها ؟
ولكن التزم رحمه الله بمسلك آخر ممّا اقتضى أن يقول : ( نحن في فسحةٍ عن هذا الإشكال ) فجعل المجعول في الأصول مغايراً للمجعول في الأمارات ، ثمّ قال في معرض بيان مسلكه وما يترتّب عليه بقوله : ( إنّ المجعول فيها هو البناء العملي على أحد طرفي الشكّ على أنّه الواقع ، وإلغاء الطرف الآخر وجعله كالعدم ، ولأجل ذلك يجوز إقامة الأصول مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة ، لكونها متكفّلة للجهة الثالثة التي كانت للقطع ، وهو الجري على وفق القطع ، وترتيب آثار المقطوع عملًا عليه ، فالمجعول في الأصول التنزيليّة ليس أمراً مغايراً للواقع ، بل الجعل الشرعي إنّما تعلّق بالجري العملي على المؤدّى على أنّه في الواقع ، كما يرشد إليه قوله في بعض أخبار قاعدة التجاوز ( بلى قد ركعت ) « 1 » فإن كان المؤدّى هو الواقع فهو ، وإلّا كان الجري واقعاً في غير محلّه ، من أن
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 3 / الباب 13 من أبواب الركوع ، الحديث 3 .