تارةً : بملاحظة حال أبان ، بأنّه قد يدلّ على كون قطعه كذلك المتّخذ من القياس كان عذراً له أو لا ، فمثل هذا لا يتناسب مع علوّ شأن أبان ورفعة مقامه في الفقه - حيث ورد في الحديث في حقّه : « يا أبان اجلس في المسجد وافتِ بالنّاس » ، كيف لا يعلم أبان عدم جواز أخذ الفقه من القياس ، ولعلّ الإمام عليه السلام بتوبيخه بقوله : « بأنّك أخذتني بالقياس » أراد عليه السلام تذكيره على ما هو مرتكز في قرارة نفسه من عدم جواز ذلك ، فعلى هذا التقرير يشمل المنع له ، ولم يكن هو أيضاً معذوراً لو عمل بذلك القطع ، إلّاأن يكون غفلته عذراً له ، وهو محلّ تأمّل .
وأخرى : بملاحظة أنّ أبان كان لا يعلم قبل ذلك عدم جواز الاعتماد على القياس ، خصوصاً مع ملاحظة دفاعه عن مذهب أهل البيت عليهم السلام في العراق ، حيث كانت الإشاعات والافتراءات ضدّ أهل البيت عليهم السلام ومذهبهم كثيرة ، ولذلك ظنَّ أبان أنّ هذه المقولة أيضاً من تلك الإشاعات ، فنفاها بشدّة ونسب قائلها إلى الشيطان ، ولذلك وبّخه الإمام عليه السلام ، وعليه لا يكون محذوراً لو عمل بقطعه من طريق القياس قبل تنبيه الإمام عليه السلام له ، لقصوره بجهله ، لما قد عرفت على مختارنا بأنّ المنع عن العمل يصحّ قبل تحقّق القطع ، كما في مورد الرواية لا بعده ، فلو فرض حصول القطع له قبل ذلك ، لما كان مقصّراً في العمل بقطعه ، ولكن هذا بالنسبة إلى حال أبان .
وأمّا بالنسبة إلى استفادة الحكم لما بعد ذلك لأبان وغيره من المنع عن العمل بالقياس ، حتّى لو انجرّ إلى القطع وعمل به ، فإنّ عدم معذوريّة ذلك أمرٌ مسلّم عندنا ، وهذا هو المطلوب من هذه الرواية ونظائرها ، الواردة في المنع عن العمل بالقياس والاستحسان .
لئالي الأصول — صفحة 197
مساهمون: السيد محمد علي العلوي الگرگاني
ص١٩٧