وجود المفسدة ، وهذه القضيّة من الموارد المتنازع فيها بين الأشاعرة وبين المعتزلة والإماميّة ، حيث إنَّ الجماعة الأولى تقول إنّ العقل عاجزٌ عن إدراك المصالح والمفاسد ، ولكن قد عرفت فساد المبنى والدعوى ، لأنّ في الأفعال في حدّ ذاتها مصالح ومفاسد كامنة ، مع قطع النظر عن أمر الشارع ونهيه ، وأنّها تكون عللًا للأحكام ومناطاتها ، ولا سبيل إلى إنكار إدراك العقل لتلك المناطات بنحو الموجبة الجزئيّة ، نعم قد لا ينتهي إدراك العقل إلى الحكم بثبوت الحكم الشرعي ، إذ قد تكون المصلحة المُدرَكة بالعقل مزاحمة بالمفسدة وبالعكس ، فضلًا عن أنّ العقل عاجزٌ عن الإحاطة بجميع المصالح والمفاسد وجميع المزاحمات والموانع ، فبمجرّد إدراك مصلحة أو مفسدة لا يمكن الحكم بوجود حكم شرعي على طبق ما أدركه . ولعلّ هذا هو المراد من قول الإمام زين العابدين عليه السلام لأبي حمزة الثمالي :
« إنّ دين اللَّه لا يُصاب بالعقول الناقصة » « 1 » ، وكذلك قوله عليه السلام : « ليس شيءٌ أبعدَ من دين اللَّه عن عقول الرِّجال » ، وكذلك قوله عليه السلام : « ليس شيءٌ أبعد من القرآن عن عقول الرجال » « 2 » .
وعليه ، فإن كان مراد الأخباريّين من عدم حصول القطع بالحكم الشرعي من المقدّمات العقليّة هذا المعنى ، فهو حقّ وصحيح .
وأخرى : يكون المراد منه الإدراك هو إدراك العقل الحُسن أو القبح في الأشياء كإدراكه حُسن الطاعة وقبح المعصية ، وإدراكه لحسن العدل وقُبح الظلم ، المسمّى بالمستقلّات العقليّة ، فعلى طبقه يحكم الشرع في مورد الحَسَن بالوجوب ،
هامش
( 1 ) البحار : ج 2 ، الباب 34 من أبواب العلم ، الحديث 41 ص 303 .
( 2 ) وسائل الشيعة : ج 18 ، الباب 13 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 69 .