ورابعاً : ليس على مذهبهم ما فيه مفسدة لا في الأوامر ولا النواهي ؛ لأنّ النواهي صارت في صدورها مصلحة ، مع أنّ المفسدة موجودة في بعض الأشياء .
و : كيف كان ، فإنّ فساد هذه الدعوى التي قد صدرت عن جملة من الأشاعرة على ما ببالي واضحٌ لا يحتاج إلى مزيد بيان ، لما قد حقّقنا في محلّه بأنّ الأوامر الامتحانيّة أيضاً تكون المصلحة في متعلّقاتها ، غاية الأمر يتفاوت متعلّقاتها مع سائر الموارد من الأوامر ، فاطلب توضيحه من مظانّه .
أقول : نُسب إلى بعض من الأشاعرة أنّ الترجيح بلا مرجّح لا يكون محالًا ، بل المحال هو الترجّح بلا مرجّح ، قال القوشجي في « شرح التجريد » في بيان أنّ الأجسام حادثة : ( وفرّقوا بين الترجيح بلا مرجّح وبين الترجّح من غير مرجّح ، قالوا ترجّح أحد المتساويين من طرفي الممكن بلا سببٍ مرجّحٍ من خارج ضروري البطلان ، كيف لا ولو جوّزناه ينسدّ باب إثبات الصانع ، وأمّا الترجيح من غير مرجّح ، أي من غير داعٍ لا من غير ذاتٍ متّصفٍ بالترجيح ، فليس بمُحال ، بل المؤثّر إذا كان مختاراً فهو يرجّح بإرادته أي مقدورٍ شاء . . إلى آخره ) « 1 » .
ولكن يرد عليه أيضاً : بأنّ المختار بالإرادة وإن رجح ذلك الفرد بالإرادة ، إلّا أنّ الإرادة على الفرض كانت متساوية بالنسبة إلى الفردين مثلًا ، فكيف تتعلّق بهذا دون ذاك ، مع فرض عدم مرجّحٍ في البين لأحدهما ، فغاية الأمر تنتهي إلى ما لا يكون مرجّحاً لأحدهما على الآخر .
فالأولى هو أن يُقال : إنّ الكلام يدور حول حقّ اللَّه تبارك وتعالى لا حقّ العباد ، ومن الواضح أنّ اللَّه تبارك وتعالى لا يقدّم شيئاً ولا يؤخّر آخر إلّاعن علمٍ
هامش
( 1 ) شرح التجريد : الفصل الثالث من الطبعة الحجريّة .