أقول : إذا عرفت الحال من ضعف القول بعدم وجود المصلحة والمفسدة في المأمور به والمنهيّ عنه ، تعرف ضعف دعوى تبعيّة الأوامر والنواهي لمصالح في نفسها من دون أن يكون هناك مصلحة في المتعلّق ، ومن ادّعى هذه المقالة وإن لم يدّعيها كليّة وفي جميع الأوامر والنواهي ، بل ادّعاها على نحو القضيّة الموجبة الجزئيّة ، ومثّل لها بالأوامر الامتحانيّة ، حيث إنّه ليست في متعلّقاتها مصلحة ، لكن التزم بأنّه لابدّ مِنْ أن تكون هناك مصلحة في نفس الأمر والجعل .
و : الإنصاف فساد هذه الدعوى ، لأنّه :
أوّلًا : لو كان الأمر كذلك ، لَلَزِمَ أن تتحقّق المصلحة بصرف وجود الأمر بلا انتظار لشيء آخر ، مع أنّ الأوامر الامتحانيّة ليست كذلك ، فإنّ المصلحة فيها إنّما تكون قائمة أظهار العبد الإطاعة ، وكونه بصدد الامتثال للأمر الصادر ، وهذا المعنى لا يتحقّق إلّابالجري على وفق ما تعلّق به الأمر ، وأين هذا من كون المصلحة في نفس الأمر ؟ !
وقد يقال في جوابهم ثانياً : إنّ المصلحة الناشئة من قبل الأمر يكون معلولًا للأمر ، فكيف يكون مقتضياً له وفي سلسلة علله .
أقول : ولكنّه لا يخلو عن إشكال ؛ لأنّ المصلحة تكون واقعة في مرحلة العلل دائماً ، وتكون الأوامر كاشفة لها ، غاية الأمر قد تكون المصلحة في المتعلّق علّة لتحقّق الأمر ، وقد تكون المصلحة في وجود نفس أوجبت وجوده ، فلا تكون المصلحة حينئذٍ معلولةً له ، بل تكون واقعة في سلسلة العلل .
وثالثاً : يبقى بقيّة الأوامر والنواهي غير الامتحانيّة بلا مصلحة ومفسدة ، لا في المتعلّق ولا في نفسها ، وهو أيضاً فاسد .
لئالي الأصول — صفحة 190
مساهمون: السيد محمد علي العلوي الگرگاني
ص١٩٠