والمظلوميّة والشوق ، فتوجيه الخطاب بهذا المعنى إلى المعدومين فضلًا عن الغائبين بمكان من الإمكان ، كما هو المشاهد في الصبي إذا خاف من أحدٍ ، أو ضربه إنسان فإنّه يُنادي ويقول : ( يا أبة ) و ( يا امّاه ) ، مع أنّه يعلم بعدم وجود أبيه وامّه وعدم حضورهما الفعلي . ومن الواضح أنّه ليس المقصود من هذا الخطاب إلّا إنشائه بداعي العجز والمظلوميّة ، أو من باب التحسّر والتأسّف مثل : أيا كوكباً ما كان أقصر عمره .
بل يكون الخطاب الصادر في مثل هذه الموارد من قبيل الخطاب الادّعائي ، أي ينزّل المتكلّم المخاطب غير الموجود أو غير ذي شعور أو غير الملتفت منزلة الموجود والملتفت فيخاطبه ، فليس هذا من الخطابات الحقيقيّة .
أقول : ظهر من جميع ما ذكرناه أنّ الكلام والمخاطبة حيث كان من الأفعال الاختياريّة للمتكلّم ، فلا محالة يكون له - بما أنّه فعل من الأفعال الصادرة منه - غاية عقلائيّة ، والغاية الطبيعيّة العقلائيّة للمتكلّم هو إفهام الغير وإعلامه بما في ضميره ، فإذا صدر هذا الفعل من المتكلّم ، انتزع منه - بما أنّه فعلٌ صدر بهذا الداعي - عنوان المخاطبة ، وأمّا إذا لم يكن صدوره بهذا الداعي ، لم يصدق عليه مفهوم المخاطبة .
فظهر من ذلك أنّ الخطاب الحقيقي إذا أريد توجيهه إلى المعدومين بل الغائبين ، لابدّ من إنشاءه بأحد الوجهين اللّذين ذكرناهما ، وإلّا أصبح غير ممكن وغير معقول .
المقام الثالث : يقع الكلام في بيان كيفيّة وضع أدوات النداء والخطابات ، وأنّها هل وضعت لخصوص المشافهين والحاضرين ، أو أنّها موضوعة للأعمّ منها ؟
لئالي الأصول — صفحة 413
مساهمون: السيد محمد علي العلوي الگرگاني
ص٤١٣