هذا ، بلا فرق بين كون التخصيص متّصلًا أو منفصلًا ، لأنّ ذلك لو كان مخصوصاً للمنفصل دون المتّصل ، لزم أن لا يجوز الرجوع إلى عموم العام في المخصّص المتّصل في الأفراد المشكوكة للمخصّص ، لعدم وجود عموم بإرادة استعماليّة حتّى يتمسّك به ، مع أنّ المشهور بين الفقهاء - لا سيّما الشيخ الأنصاري في « المكاسب » - التمسّك بعموم مثل قوله تعالى : « لَاتَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ » « 1 » وكذلك قوله : « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ - إلى قوله - إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ » « 2 » في الحكم ببطلان بيع مشكوك الصحّة والفساد ، وحرمة لحم المطروح المشكوك بين المذكّى وغيره ونظائرهما .
فيفهم من ذلك أنّ أصالة التطابق بين الإرادتين أصلٌ عقلائي يجب الأخذ به ، إلّافيما ورد دليل يدلّ على مخالفة الإرادة الجدّية مع الإرادة الاستعماليّة ، حتّى ولو كانت القرينة متّصلة كالاستثناء عن عموم العام .
نعم ، لا يخفى الفرق بين فردي التخصيص ، في أنّ المتّصل لا يوجب انعقاد الظهور الذي هو حجّة إلّابعد التخصيص ؛ لأنّ كلّ كلام لابدّ في مقام الاحتجاج من تماميّته والأخذ بظاهره بعد ما يصحّ السكوت عليه ، وهو ليس في المتّصل إلّابعد التخصّص ، وهذا بخلاف المنفصل حيث ينعقد الظهور أوّلًا للعامّ بتماميّته ، ثمّ يتصرّف فيه بواسطة المخصّص المنفصل ، وهذا المقدار من التفاوت لا يوجب التصرّف في إجراء ما قلنا من رفع اليد عن أصالة التطابق بين الإرادتين ، كما أنّ هذا المقدار من التصرّف لا يوجب كون الاستعمال مجازيّاً ، كما لا يوجب سقوط
هامش
( 1 ) سورة المائدة : الآية 1 .
( 2 ) عناية الأصول : 2 / 263 .