إنّ الجمل الخبريّة ظاهرة في الوجوب ، بل كانت أظهر من الصيغة ، وليست الجمل المستعملة في مقام البعث والإنشاء مستعملة في غير معناها ، بل تكون مستعملة في معناها ، غاية الأمر ليس بداعي الإعلام والحكاية ، بل بداعي البعث بنحو الآكد ، حيث إنّه أخبر بوقوع مطلوبه في مقام طلبه ، إظهاراً بأنّه لا يرضى إلّا بوقوعه ، فيكون أكثر دلالة في البعث من الصيغة ، نظير نفس الصيغة حيث قد استعملت في معناها ، غاية الأمر قد يكون بداعي البعث وقد يكون بدواع اخر من التهديد والتعجيز ، ولكنّه أيضاً كان مستعملًا في معنى الإنشاء والإيقاع .
لا يقال : كيف ويلزم الكذب كثيراً ، لكثرة عدم وقوع المطلوب كذلك في الخارج ، تعالى اللَّه وأوليائه عن الكذب ؟
فإنّه يقال : إنّما يلزم الكذب إذا أتى بها بداعي الإعلام ، لا لداعي البعث ، كيف وإلّا لزم الكذب في غالب الكنايات ، فمثل ( زيدٌ كثير الرماد ) أو ( مهزول الفصيل ) لا يكون كذباً إذا قيل كناية عن وجوده ، ولو لم يكن له رماداً وفصيلٌ أصلًا ، وإنّما يلزم الكذب إذا لم يكن بجواد ، فيكون الطلب بالخبر في مقام التأكيد أبلغ ، فإنّه مقال بمقتضى المحال ، هذا .
مع أنّه إذا أتى بها في مقام البيان ، فمقدّمات الحكمة مقتضية لحملها على الوجوب ، فإنّ تلك النكتة - وهي ثبوت مطلوبه وأنّه لا يرضى بتركه - إن لم تكن موجبة لظهورها فيه ، فلا أقلّ من كونها موجبة لتعيّنه من بين محتملات ما هو بصدده ، فإنّ شدّة مناسبة الاخبار بالوقوع مع الوجوب ، موجبة لتعيّن إرادته إذا كان بصدد البيان ، مع عدم نصب قرينة خاصّة على غيره ، فافهم . انتهى كلامه « 1 » .
هامش
( 1 ) الكفاية : ج 1 / 105 .