فقال : الشقيّ من علم اللَّه وهو في بطن امّه أنّه سيعمل أعمال الأشقياء ، والسعيد من علم اللَّه وهو في بطن امّه أنّه سيعمل أعمال السعداء .
قلت له : فما معنى قوله صلى الله عليه وآله : ( اعملوا فكلٌّ مسيّرٌ لما خلق له ) ؟
فقال : إنّ اللَّه عزّ وجلّ خلق الجنّ والإنس ليعبدوه ، ولم يخلقهم ليعصوه ، وذلك قوله عزّ وجلّ : « وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » « 1 » فسيّر كلّاً لما خلق له ، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى ) « 2 » .
أقول : بعدما ثبت من خلال هذا النقل أنّه منقول وصادر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فلا بأس بذكر ما قيل في تفسيره ، ثمّ نذكر الاحتمال الأصحّ عندنا ، فنقول :
ذهب صاحب « الكفاية » إلى أنّ هذا الخبر شاهد على أنّ الشقاوة والسعادة تعدّان من الأمور المتأصّلة في ذات الإنسان ، فكأنّه أراد بأنّ السعيد سعيدٌ من أصله والشقيّ كذلك .
ولكن المحقّق الأصفهاني في « نهاية الدراية » - بعد تمهيد مقدّمات طويلة لا ضرورة في نقلها - قال ما هذا لفظه :
( إذا تمهّدت هذه المقدّمات وتدبّرت فيها حقّ التدبّر ، تعرف أنّ تفاوت الماهيّات الجنسيّة والنوعيّة والصنفية والشخصيّة في أنفسها ولوازمها ، بنفس ذواتها لا بجعل جاعل وتأثير مؤثّر ، فمنهم شقيّ ومنهم سعيد بنفس ذاته وماهويّته ، وحيث كانت الماهيّات موجودة في العلم الأزلي ، وطلبتْ بلسان حال استعدادها الدخول في دار الوجود ، ويمتنع عليه الإمساك عن الجود وحيث أنّ
هامش
( 1 ) سورة الذاريات : الآية 56 .
( 2 ) البحار : الباب 6 من أبواب السعادة والشقاوة ، الحديث 10 .