فإنّ التفضيل وإن كان منسوباً إلى اللَّه تبارك وتعالى ، إلّاأنّه كان من جهة كونه معطياً وواهباً لكلّ خير وكمال بواسطة قابليّة المحلّ ولياقته ، لوضوح أنّه لا يعقل أن يهب اللَّه تعالى هذه المراتب لكلّ موجود إلّابعد كونه قابلًا ، فلا يبعد أن يكون التشبيه في هذا الخبر ناظراً إلى هذا المعنى ، وهو تفاوت مراتب الكمالات من مراتب السعادة .
غاية الأمر يمكن استفادة الاختلاف في أصل مرحلة الشقاوة والسعادة باختياره ، من جهة اختيار الإنسان في تكميل مراتب السعادة ، بأن يقال : كما أنّ الإنسان مختار في تحصيل تلك المراتب من السعادة والكمال ، فكذلك مختار في تحصيل أيّهما أيضاً من السعادة والشقاوة ، كما أنّه مختار في تحصيل مراتب الشقاوة والخباثة ، فهذا الاحتمال في الخبر من جهة التشبيه في خصوص مراتب السعادة والكمالات يعدّ قويّاً جدّاً .
أقول : وممّا ذكرنا ظهر اندفاع ما استظهره صاحب « الكفاية » والمحقّق الخميني ، كما بطل ما استظهره صاحب « نهاية الدراية » حيث جعل ذلك من جهة الاختلاف في قابليّة المحلّ من حيث إفاضة الوجود ، حيث صرّح بقوله :
( وإن كان بالإضافة إلى الوجود ، فهو فاسد ، لما عرفت من أنّ إفاضة الوجود على وفق قبول القوابل عَدْل وصواب ، وهذا معنى ما ورد من أنّ الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة ، وهو معنى قوله عليه السلام : ( السعيد سعيدٌ في بطن امّه والشقيّ شقيّ في بطن امّه ) . انتهى كلامه « 1 » .
هامش
( 1 ) نهاية الدراية : ج 1 ص 305 .