كما يمكن الاستدلال على الدعوى المذكورة بمضامين الأدعية والزيارات الواردة عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام ، كما في زيارة الوارث :
( كنتَ نوراً في الأصلاب الشامخة ، والأرحام المطهّرة ، لم تنجّسك الجاهليّة بأنجاسها ، ولم تُلبسك من مدلهمّات ثيابها ) .
حيث تشير هذه المقاطع من الزيارة إلى محلّ رشد النطفة وتغذيتها ، والمحيط الذي كان فيها ، ولم يؤثّر فيه لأجل طهارة نطفتهم ونظافة تغذيتهم ، ويقابلهم المعاندون الذين خبُثت سرائرهم فصدرت منهم الأعمال الشرّيرة .
وبالجملة : فإنّ الشروط والأجواء المذكورة برغم أنّ لها التأثير في تنميته ، لكنّها لا توجب سلب الاختيار عن الإنسان عمّا يختاره بالميل إلى جهة مقابله من الخير والشرّ ، فيكون مختاراً في أفعاله وأعماله .
فظهر ممّا ذكرنا بأنّ الشقاوة والسعادة ليستا ذاتيّتين للإنسان ، بل تكونان من حيثيّات وجود الإنسان للميل إلى الخير والشرّ والعمل على طبقه .
فما توهّمه صاحب « الكفاية » من كونهما ذاتيّتين ، ومن ثمّ تمسّك بالكبرى الثابتة عند أهله بأنّ الذاتي لا يعلّل ، في غير محلّه .
هذا تمام الكلام في أصل المسألة من الإشكال والجواب .
أقول : فإذا بلغ الكلام إلى هنا ، فلا بأس بصرف عنانه إلى الحديثين المعروفين وبيان معناهما وكيفيّة ارتباطهما بالمقام وعدمه . فنقول :
هناك خبران مرويّان في مصادرنا قد يستفاد منهما كون الإنسان مسلوب الإرادة والاختيار في أفعاله وأعماله :
أمّا الحديث الأوّل : وهو الذي رواه الأصحاب عن كتاب « شهاب الاخبار » « 1 »
هامش
( 1 ) راجع : سفينة البحار ، مادّة عَدَل .