يعدّ مجموعة من تلك الأميال المختلفة ، والاستعدادات المتشتّتة ، فكما أنّه قد يمرض وقد يصحّ وقد ينشط وقد يحزن من حيث عالم الوجود والجسم ، كذلك له حالات مختلفة في عالم الروح أيضاً ؛ حيث أنّه قد يتهذّب ويصبح متديّناً وتلومه النفس اللوّامة والوجدان الأخلاقي ، فيقدم في هذه الحالة على الأعمال الحسنة والأعمال المحبوبة الراجحة ، وقد يعطف على الأفراد من بني نوعه وغيره ؛ ففي تلك الحالة كان فمنشأ هذه الحالة هي الجهة المستعدّة لحسن الأفعال ، وهي ارتباطه مع العوالم الملكوتيّه العالية الموجبة لصدور الأفعال الحسنة منه .
كما أنّه قد يعكس الأمر ، فيصبح ذا خلق خبيث وأعمال قبيحة ، مستتبعاً للشهوات ، ومتابعاً لخطوات الشيطان ، ويفعل من الأعمال القبيحة بحسب إرادة نفسه الأمّارة من دون أن يهاب اللَّه القادر المتعال ، حتّى يبلغ خبثه وسوء سريرته إلى ما لا يصل إليه غيره من الموجودات ؛ ففي ذلك يستحقّ اللعنة والنفرة من ربّ العالمين ، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله : « قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ » « 1 » ، وهي إشارة إلى الجهة المستعدّة لذلك ، وهي ارتباطه مع الجبلّة الشيطانيّة والطينة الخبيثة الملعونة .
فاختلاف حالات كلّ إنسان في عالم المادّيات والمعنويات ، أدلّ دليل على وجود الاستعدادات المختلفة في ذات الإنسان المستعدّة لقبول هذا تارةً ، وذاك أخرى . كما أنّه أيضاً دليل على حرّيته واختياره في ذلك ، وعلى قدرته لاتّخاذ ما هو خيرٌ له والاجتناب عمّا هو شرٌّ له ، من تهيئة أسبابه الشرعيّة
هامش
( 1 ) سورة عبس : الآية 17 .