وأيضاً في قوله تعالى : « وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ » « 1 » ، فذلك تكون مثل هذه الأفعال الصادرة من العبد عين الاختيار ، فللَّه تبارك وتعالى أن يجازي العباد بأعمالهم من الخير والشرّ ، كما أشار إليه النبيّ صلى الله عليه وآله في الحديث المشهور والمعروف على الألسنة بأنّ الناس مجزون بأعمالهم إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً .
فإن قلت : بقي هنا إشكال آخر وهو أنّه لماذا يختار الكافر الكفر والمؤمن الإيمان ، والفاسق الفسق ، والمطيع الإطاعة والانقياد ، وليس هذا إلّامن جهة سوء سريرته وخبث طينته في الكافر والفاسق ، وحُسن سريرته وطيب طينته في المؤمن المنقاد ، وسوء السريرة وحسنها لا يكونان إلّامن جهة الشقاوة الذاتيّة والسعادة كذلك ، فالذاتي ممّا لا يمكن أن يعلّل ، وهو الذي أشار إليه الحكيم السبزواري في منظومته بقوله :
* ذاتي شيء لم يكن معلّلا *
بل قد يؤيّد ذلك ما ورد في الآثار والأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وآله ، قوله : ( بأنّ الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة ) « 2 » .
كما ورد أيضاً عن النبيّ صلى الله عليه وآله قوله : ( السعيد سعيد في بطن امّه ، والشقيّ شقيّ في بطن امّه ) « 3 » .
فإذا كانتا ذاتيّتين فلا يقدر الإنسان أن يغيّر ما خلق اللَّه له ، كما وردت
هامش
( 1 ) سورة الكهف : الآية 29 .
( 2 ) سفينة البحار : ج 2 مادّة عدن .
( 3 ) كتاب التوحيد : الباب 58 الحديث 3 .