جواباً يصحّ السكوت عنه في الاستحقاق ، لإمكان الردّ إليهم بأنّ الإرادة المذكورة غير اختياريّة ، فيفهم من صحّة السكوت بذلك الجواب عند العقلاء بطريق البرهان الإنّي - أي من طريق الأثر الكاشف عن المؤثّر - أنّ الإرادة إذا كانت اختياريّة صحّ السكوت بذلك الجواب ويصحّ حكم العقل بالعقوبة والمثوبة .
فإن قيل : لو كانت الإرادة أيضاً اختياريّة ، فليس ذلك إلّامن جهة تعلّق إرادة أخرى بها ، فيرجع إلى التسلسل الذي ذكره الخصم ويعود المحذور مرّةً أخرى .
قلنا : انّا لا نسلّم انحصار اختياريّة كلّ شيء أن يكون مسبوقاً بالإرادة فقط ، بل الملاك في الاختياريّة هو قدرة الإنسان واستطاعته على الفعل والترك بعد ملاحظة منفعته وضرره ومصلحته ومفسدته ، وهذا المعنى موجود فيما قبل الإرادة ، لما قد عرفت منّا سابقاً عند البحث عن مبادئ الإرادة والاختيار من كون بعضها قهريّاً وجبريّاً دون بعض ، فالقهريّة منها هو الخطور والميل وهيّجان الرغبة في النفس ، فهذه الثلاثة جبريّة ، بخلاف الثلاثة اللاحقة لها من التصديق بالفائدة والجزم والشوق المؤكّد المسمّى بالإرادة المستتبع لتحريك العضلات في الأمور المباشريّة أو صدور الأمر في الأمور التسبيبيّة ، فإنّ جميعها اختياريّة وهكذا تصبح الإرادة أيضاً اختياريّة ، لكونها مسبوقة بأمر اختياري ، فتكون الأفعال الصادرة عن مثل تلك الإرادة اختياريّة ، وقابلة لتعلّق المثوبة والعقوبة بها ؛ لأنّ النتيجة تابعة لأخسّ المقدّمات ، فإذا كانت بعض مقدّمات الإرادة اختياريّة ، كانت الإرادة أيضاً اختياريّة ، فلا جبر حينئذٍ كما لا يخفى .
فإن قلت : هَبْ صارت الإرادة بذلك اختياريّة ، وكذلك الأفعال الصادرة منها ، إلّا أنّ هذا المقدار لا ينحسم به الإشكال من أصله ؛ لأنّ تمام هذه المقدّمات منتهية
لئالي الأصول — صفحة 473
مساهمون: السيد محمد علي العلوي الگرگاني
ص٤٧٣