بالاختيار يكون غير اختياري بالضرورة ، فبقي هنا سؤال وهو عن كيفيّة حصول الإرادة المعدودة من الممكنات - كما صرّح به في كلامه - فإنّه لا يخلو إمّا أن يكون وجودها اختياريّاً أو اضطراريّاً ، ففي كلّ واحدٍ منهما يأتي محذور التسلسل ، وبقاء الاضطرار والجبر في أفعال العباد والمفروض خلافهما .
وأمّا كلامه حول صحّة العقوبة للفعل الإرادي لدى العقلاء ، فهو أمرٌ ثابت لا نقاش فيه ، ولكن لعلّه كان من جهة أنّهم يرون الإرادة أيضاً اختياريّة - ببيان سوف نذكره لاحقاً - لا مع كون الإرادة غير اختياريّة المستلزمة لعدم كون الفعل اختياريّاً ، حتّى تصحّ العقوبة كما هو المستفاد من كلامه .
وبالتالي فما ذكره من الجواب لا ينحسم به الإشكال كما لا يخفى .
أقول : ولقد أجاب عن هذا الإشكال المحقّق النائيني والعراقي ، وصاحب « المحاضرات » بما قد عرفت منّا سابقاً عند نقل كلام العراقي قدس سره القائل بوجود صفة أخرى نفسانيّة غير الإرادة المسمّى بالطلب أو بالاختيار في التشريعيّة والتكوينيّة - أو بتوسّط القدرة والسلطنة المذكور في كلمات المحقّق الخوئي - فليست الإرادة هي العلّة التامّة لتحقّق الفعل الاختياري ، حتّى يرد الإشكال بكونه متولّداً من الإرادة التي يكون من قبيل العلّة والمعلول فيكون جبراً واضطراريّاً ، بل الإنسان بعد الإرادة أيضاً مختار بأن يفعل أو أن لا يفعل ، وقد مثّل المحقّق الخوئي لذلك أمثلة عرفيّة ليثبت دعواهم ، لكنّها لا تعدّ بنفسها دليلًا مستقلًّا ، وللمزيد راجع ما ورد في « المحاضرات » في بحث الجبر والتفويض « 1 » .
هامش
( 1 ) محاضرات في أصول الفقه : ج 2 / 57 - 59 .