الاختيار في الحقيقة مربوطاً بمرحلة التصديق بالفائدة .
بل قد يمكن أن يؤيّد أو أن يستدلّ على كون الإرادة أيضاً اختياريّة لا إجباريّة ، ما يشاهد من وقوع الإرادة متعلّقةً للمذمّة والتوبيخ من اللَّه تبارك وتعالى ، مع أنّه لو كانت بنفسها إجباريّة وقهريّة فلا وقع للإيراد والمذمّة عليها ، والشاهد على ذلك ما ورد في بعض الآيات من ذمّ من يريد عرض الدُّنيا وحرثه كما قوله تعالى : « تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ » « 1 » ، وكذلك في قوله تعالى : « فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا » « 2 » ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن .
وخلاصة الكلام : ثبت من جميع ما قلناه بأنّ الإرادة معدودة من الصفات الحقيقيّة النفسانيّة ولا يمكن أن يتعلّق بها الإنشاء أصلًا ؛ لأنّ الإنشاء إنّما يصحّ في الأمور الاعتباريّة مثل الزوجيّة والملكيّة ، حيث يكون منشأه بالإنشاء ، بخلاف ما لو كان من الأعيان والحقائق الخارجيّة مثل زيد وعمر من أسماء الأعيان ، أو القيام والقعود من أسماء المعاني والصفات ، حيث لا يمكن إيجادها بالإنشاء ، بخلاف الأشياء التي كانت من الأمور الالتزاميّة الاعتباريّة حيث أنّها قابلة للإنشاء ، وبالإنشاء توجد ، كما لا يخفى .
وبعبارة أخرى وأوفى : إنّ الموجودات على قسمين :
القسم الأوّل : ما يكون له وجود حقيقي في الخارج ، بحيث ما يكون بإزائه شيء فيه .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : الآية 8 .
( 2 ) سورة النجم : الآية 29 .