الشخص المتحيّر المتردّد إلّابعد دعوى أنّ المستفاد من الذوق السليم أنّ الرجل الكذائي يتمثّل بهذا المثل ، وأنّ حاله يتجلّى في مثل الرجل الذي يراه يقدِّم رجلًا ويؤخِّر أخرى ، فيعدّ ذلك تمثيلًا كتمثيل القرآن لأعمال المنافق والكافر والضالّ بأنّ « مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً » « 1 » . فلم يستعمل الألفاظ بمجموعها إلّافي معناه الحقيقي ، ولذلك يحصل البلاغة في هذا الادّعاء والتشبيه .
وثانياً : لو سلّمنا كونه مجازاً ، لكنّه مجاز في الإسناد دون الكلمة ، إذ لم يستعمل لفظ التقدّم والتأخّر في التحيّر والتردّد ، بل استعملا في معناهما ، إلّاأنّهما اسندا إلى المتردّد مجازاً وهو إسناد صحيح من دون الحاجة إلى وضع مستقلّ للمركّب .
فالحقّ عدم وضع للمركّبات ، وعدم كون الاستعمالات المركّبة مجازاً واستعمالًا في غير ما وضع له ، بل ربما يكون مجازاً في الإسناد - ولو تنزّلنا - دون الكلمة كما توهّم .
وثالثاً : يمكن دعوى كونه من قبيل ذكر اللّازم وإرادة الملزوم بحسب النوع ؛ لأنّه إذا أردنا أن نمثّل المتحيّر والمتردّد في الخارج تمثيلًا حقيقيّاً ووجوديّاً ، فليس هناك ما يمكن أن نمثّله به إلّابذكر ما يلزم من حالته ، ألا وهو أنّه يقدِّم رجلًا ويؤخِّر أخرى ، فيكون حينئذٍ من باب الكناية وذكر اللّازم وإرادة الملزوم ، كما لا يخفى على المتأمّل .
أقول : هنا تنبيهان لا بأس بذكرهما :
التنبيه الأوّل : قسّموا اللّفظ إلى المفرد والمركّب ؛ مع أنّه قد يستشكل - كما
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 17 .