فانّ من تامّل في طريقة أكثر الخلق وخلى نفسه عن الشبهات والوساوس يتضح له غاية الاتضاح ولا يخفى انّ في ترك المعاشرة ومجانبتهم مشقة عظيمة وحرجا شديدا وفي غسل الثّياب والبدن عند كلّ عبادة مشروطة بالطهارة حرجا اشدّ والقطع حاصل بانّ مثله منفى عن الشّريعة وارتكابه خلاف ما ثبت من الطريقة المستمرّة من زمان الشارع إلى يومنا هذا ويلحق بالقطع اخبار ذي اليد المسلم المفيد للظن وان كان فاسقا أو مخالفا في المذهب سواء كان مالكا أو وكيلا أو وليّا فاخبار المالك المسلم ومن بحكمه مشبع في هذا المقام وفي سائر الموضوعات التي تضاهيه في صورة افادته الظن وكذا قول العدلين والعدل ان أفاد الظن وفي صورة عدم افادتهما إياه اشكال والأحوط الاجتناب وامّا الظنون الحاصلة من الحدس فحكمها حكم الشكّ في عدم الاعتبار واللّه العالم بحقايق احكامه
المقام الثاني في انّ العصير العنبي هل ينجس بالغليان أم لا
وتحقيق الحال يتوقّف على بسط المقال في تقرير المذاهب والأقوال فنقول مستوفقا من اللّه المتعال انّ لأصحابنا في هذه المسألة أربعة أقوال أحدها القول ببقائه على الطّهارة وعدم انفعاله به مطلقا وهو مختار العماني وجماعة من محققي المتأخرين كالمولى الورع المحقق الأردبيلي وتلميذيه الجليلين صاحبي المعالم والمدارك والفاضل الخراساني وسيّدنا صاحب الرّياض ومال اليه شيخنا الشّهيد الثاني والمولى العلّامة المجلسي والفاضل البهاء الأصبهاني الشّهير بالفاضل الهندي وعزاه الأخير إلى النافع والتبصرة أيضا نظرا إلى أنه لم يذكر فيما حصر فيهما من النّجاسات ولعلّه المشهور بين القدماء فانّهم لم يتعرّضوا لبيانه مع انّ العصير كان شايعا بين النّاس في سائر الأعصار والأمصار ويؤيّده ما قاله شيخنا الشّهيد ره بعد ان حكى ما يأتي من قول ابن حمزة والمحقق وتوقّف العلّامة في النّهاية ولم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة ولا نصّ على نجاسة غير المسكر وهو منتف هنا فانّ عدم وقوف مثل الشهيد ره على قول بالنجاسة من غير من ذكره أقوى شاهد على عدم وجوده في كلمات أكثرهم لانّ هذا الشّيخ الفقيه المعتمد كان في غاية التتبّع ونهاية الاطلاع على فتاوى الأصحاب وثانيها القول بتنجسه بالغليان والاشتداد المفسّر بالقوام والثخانة العرفية على ما مرّ في المقدمة السّالفة وهو الذي نسبه بعضهم إلى أكثر الأصحاب وعزاه بعض آخر إلى أكثر المتاخّرين وجرم به الفاضلان والفاضل