تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لمحات في الكتاب والحديث والمذهب — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
السائل كان يظن إمكانية توصيف الباري عز وجل بدرجة من الوضوح يتمكن عامة الناس من معرفة كُنه حقيقته وصفاته ، كما لو كان يُشاهَد عياناً ، أو أنَّ عبداً من عباده وإنْ كان رئيس العارفين ومولى الموحدين يمكنه حَدُّ صفاته أو معرفة حقيقة ذاته وتوضيحها وتبسيطها لدرجة التصور ولو كان تقريبيّاً ، ومهما كان ظن السائل ، فإنَّ مجرد التفكير في مثل ذلك يثير غضب أمير المؤمنين عليه السلام حيث إنه عليه السلام استعظم نفس السؤال ، فكان علي عليه السلام يرى أنّه ليس لأحدٍ الحقّ مهما عَلَت معرفته أن يسأل مثل هذا السؤال فضلًا عن أن يكون لأحدٍ الحق في وصف الباري عز وجل إلى درجةٍ أكبر مما وصف هو نفسه به تبارك وتعالى . وهذا هو الذي دعاه إلى أنْ يصعد المنبر ويخطب تلك الخطبة التي إفتتحها بالحمد والثناء ثم الصلوات على النبي محمد صلى الله عليه وآله حتى توجّه بخطابه إلى السائل قائلًا : « فَانظُر أيُّها السائلُ : فما دَلَّكَ القرآنُ عليه مِن صفتِه فأتمَّ به واستَضِيءْ بنورِ هدايتِه وما كلّفكَ الشَّيطان عِلمِه ممّا ليسَ عليكَ في الكتابِ فرضُه ولا في سنَّة النَّبي صلّى اللَّه عليه وآله وأئمَّة الهُدى أثَرَه فكِلْ عِلمَه إلى اللَّه سبحانَه فإنَّ ذلكَ منتَهى حقِّ اللَّه عليكَ . واعلَم أنَّ الرّاسخينَ في العلمِ هُمُ الَّذينَ أغناهُم عن إقتِحامِ السُّدد المَضْروبة دونَ الغُيوبِ الإقرارُ بجملةِ ما جَهِلوا تفسيرَه مِن الغيبِ المحجوبِ ، فمَدَح اللَّه تعالى اعترافهم بالعجز عن تَناولِ ما لَمْ يُحيطوا به علماً . وسَمّى تَركَهم التَّعمُّقَ فيما لم يُكلِّفهم البحثَ عن كُنهه رُسوخاً فاقتصِر على ذلك ، ولا تُقدِّرْ عظَمَةَ اللَّه على قدرِ عقلِكَ