كثرة القتلى والجرحى والمتضررين من الحرب ، كانت قد أضعفت الرغبة في الاستمرار في القتال عند الناس ، إن لم نقل أنها قد أعدمتها تماماً ، إلّا عند بعض الافراد الذين لا يتجاور عددهم عدد الأصابع ، كانوا قد قرأوا مستقبل الإسلام في ظل حكم بني اميّة ووقفوا على الصورة القاتمة لهذا المستقبل ، أمثال قيس بن سعد من ذوي الايمان الكامل والبصيرة النافذة من تلامذة أهل البيت عليهم السلام ، وأمّا سائر الناس ، فقد كانت الحرب قد أنهكت قواهم الروحية قبل الجسدية ، وتلاعبت بهم الشبهات فسلبتهم روح الجهاد والقتال .
وكان أمير المؤمنين عليه السلام في أواخر حياته ، كلما حثَّهُم ورغَّبهم بالجهاد ، لم يَلقَ الآذان الصاغية والقلوب المطيعة والحضور الفاعل ، بل كان يواجَه بالتهرب والخذلان ، حتى شكاهُم مراراً وتكراراً .
وبعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام ، ازدادت عزلة الناس عن الاحداث وتضاءلت استجابتهم لنداءات الجهاد ، خاصة تلك العوائل المفجوعة باعزائها ، فلقد بلغ عدد القتلى في حرب صفين على ما نقل المسعودي « 1 » مائة وعشرة آلاف قتيل من الطرفين وعدد القتلى في النهروان أربعة آلاف قتيل « 2 » وطبقا لما نقله اليعقوبي فان قتلى حرب الجمل وهي أولى الحروب التي خاصتها أمير المؤمنين عليه السلام ، كان قد بلغ أكثر من ثلاثين الف قتيل . « 3 » إنَّ كثرة عدد القتلى في هذه الحروب الداخلية شوّه صورة الجهاد ودعى أهل الدّعة وهم الأكثرية إلى الهروب من القتال ولذا عندما صمّم الإمام الحسن على
هامش
( 1 ) مروج الذهب ج 2 ص 274 .
( 2 ) مروج الذهب ج 2 .
( 3 ) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 159 .