منزوف فالتمس سيفه فإذا هم قد سلبوه ، فلم يجد الا مُدية صغيرة قنع بها وغالب الوهن والموت ثم وثب على قدميه من بين الموتى وثبة المستيئس الذي لا يفرُّ من شئ ، فتولاهم الذعر ، وشُلَّت أيديهم من الخوف ، فانطلق يُثخن فيهم قتلًا وجرحاً ولم يقووا عليه ، فكان عليه السلام الصابر حقّاً والمجاهد صدقاً .
الصبر على فقدان الأحبّة
وهذا القسم من الصبر ، اشدُّ من الصبر على الجراح والسيوف والأسرع في اضعاف العزيمة ، ولكنّ الحسين الذي يعدل صبره وثباته صبر الجبال الرواسي ، صبر على تلك المصائب المفجعة من مصرع الأولاد والاخوة والاحبَّة وهم خير الأهل وخير الصُحب الذين كانوا يتلظون عطشاً امام عيني الحسين عليه السلام ، لكنه صبر . صَبَر الحسينُ صبراً لم يشهد عالم الخلقة الإنسانية نظيراً له ، صبر عندما رُميَ طفلُه الرضيع في حجره بسهم حقود مسموم ، وصبر عندما ضرب ابنُ اخٍ له لم يتجاوز العاشرة من عمره ، جاء مدافعاً عن عمه الحسين عليه السلام فضربه لئيم من اللئام بضربة اتقاها الغلام بيده فقطعت يدُه وهو في حجر عمّه الذي كان ملقى على الرمضاء ، وحيداً لا ناصر له ولا معيناً ، وصبر الحسين عليه السلام عندما رأى طفلًا له فرَّ من الخيمة طلباً لجرعةٍ من الماء يطفئ بها لهيب قلبه الذي اضرَّ به العطش فاذهله عن مخاطر تلك الساعة ، فضربه القوم بعامود خيمة لا يتحملها كبار الرجال ، فقضى الغلام عطشاناً مظلوماً .
وصبر الحسين عليه السلام وأمر ابن أخيه الصغير الذي قطعت يده في المعركة وبقيت معلقة بجلدة عضده ، أمره بالصبر كما يأمرُ الفرسانَ بذلك ، وقال :
« يا إبْنَ أخي إصبِرْ على ما نَزَلَ بك ، وإحتسب في ذلك الخَير . »